وجهة نظر

قراءة في بعض مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الخريفية الأخيرة في عمر البرلمان الحالي

تتبع المواطنون الخطاب الملكي أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الخريفية الأخيرة يوم الجمعة 10 أكتوبر الجاري بكل فئاته ومشاربه، وكان الجميع ينتظرون أن يتطرق إلى الأزمة الإجتماعية التي يمر بها البلاد والرد على مطالب الشباب الذين خرجوا للشارع من أجل التظاهر حول مشكل الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، غير أن الخطاب لم يتطرق بشكل مباشر إلى ماكان منتظرا، الشئ الذي أطلق العنان لتأويلات كثيرة أغلبها عاطفي ولحظي، وقد تساءل الكثيرون لماذا لم يتطرق الخطاب إلى المشاكل التي دفعت الشباب إلى التظاهر؟ ولماذا لم يوجه توبيخا إلى الحكومة والبرلمان؟ وذهب آخرون إلى التساؤل حول لماذا لم يقم الملك بإقالة الحكومة ؟ في حين فئة قليلة من المتخصصين وذوي الخبرة في المجال القانوني والسياسي والعلاقات الدولية هم من فهموا مقاصد ومرامي الخطاب الملكي وسياقه الداخلي والخارجي.

وقد تضمن الخطاب الملكي عدة رسائل للبرلمان والحكومة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقوى الحية بالبلاد، وهو في الحقيقة استجاب لتطلعات ومطالب الشباب ولكن بشكل موضوعي يغلب عليه الطابع المؤسساتي، ولعل من الأسباب الموضوعية لذلك، كون الملك لم يكن يرغب في ترسيم هذه الأزمة ما سوف يتم تفسيره خارجيا على أن هناك بالفعل أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية في البلاد، وبالتالي سوف تكون لذلك انعكاسات مباشرة على ثقة المجتمع الدولي في المغرب كبلد مستقر وبالتالي كبلد جالب للإستثمار الأجنبي وعلى سمعة البلاد في مجال السياحة والخدمات والإستعدادت الجارية لتنظيم كأس أفريقيا وكأس العالم، أضف إلى ذلك ما سيكون لذلك من تأثير أيضا على الزخم الدولي المتزايد حول مقترح الحكم الذاتي الذي من المنتظر أن يبث فيه مجلس الأمن والأمم المتحدة في الشهر الجاري.
ورغبة في استجلاء مضامينه، فقد قمنا بتقسيمه إلى ثلاثة محاور رئيسية على الشكل التالي:

المحور الأول : حول العمل البرلماني

في هذا المحور قام الخطاب الملكي بتقدير العمل البرلماني في مجال التشريع ومراقبة العمل الحكومي و تقييم السياسات العمومية، وهي الإختصاصات التي أوكلها دستور 2011 للبرلمان بموجب الفصول 70 – 71 – 78 منه، كما أشاد بالجهود المبذولة للارتقاء بالدبلوماسية البرلمانية والحزبية في خدمة القضايا العليا للبلاد والمقصود هنا بشكل أساسي هو القضية الوطنية الأولى التي هي قضية الصحراء المغربية، ودعى إلى تجسيد التعاون مع الدبلوماسية الرسمية وتكريس السنة التشريعية الأخيرة لاستكمال المخططات التشريعية وتنفيذ البرامج والمشاريع المفتوحة، داعيا إلى تجنب التعارض والتناقض بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الإجتماعية، وهي دعوة إلى ضرورة خلق الانسجام والتكامل بين المشاريع التي تندرج في صميم اختصاصات الملك في المجلس الوزاري بموجب الفصل 49 من دستور 2011، والتي تهم السياسات العامة والتوجهات الإستراتيجية للدولة وتلك التي تندرج في صميم اختصاصات الحكومة بموجب الفصل 88 – 89 – 92 منه، والتي تهم المشاريع الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والثقافية التي تلتزم الحكومة بتنفيذها في البرنامج الحكومي أمام البرلمان.

وتجدر الإشارة إلى أن الخطاب الملكي قدم فصلا إجرائيا ومؤسساتيا بين اختصاصاته الدستورية وبين اختصاصات الحكومة، فالمطالبة بالإصلاحات في مجال التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الإجتماعية والمجالية هي من صميم اختصاص الحكومة، وهو جواب على مطالب Gen Z حول إبلاء الأهمية للقطاعات الإجتماعية كأولوية على المجال الرياضي، والذي يهم تشييد ملاعب كرة القدم والبنيات التحتية من أجل احتضان تنظيم كأس أفريقيا وكأس العالم، وفي السياق ذاته ذكر بضرورة ألا يكون هناك تعارض بين هذه المشاريع التنموية مادامت تستهدف جميعها تنمية البلاد وتحسين ظروف عيش المواطن.

أما فيما يخص مسألة إقالة الحكومة فالفصل 47 من الدستور لا تخول للملك صلاحية إقالتها، ما عدا في حالة استقالتها الجماعية أو استقالة رئيس الحكومة، وفي هذه الحالة فإن هذه الحكومة تبقى في مزاولة مهام تصريف الأعمال إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة، كما أن البرهان بالخلف يعني أن إقالة الحكومة يتعارض مع منطوق الفصل 42 من الدستور والذي يعتبر أن الملك هو رئيس الدولة وهو الذي يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وعلى صيانة الإختيار الديمقراطي.

المحور الثاني : حول دعوة البرلمان والحكومة إلى تواصل أفضل

في هذا المحور دعى الخطاب الملكي البرلمان ومن خلاله الأحزاب المشكلة له سواء الأغلبية أو المعارضة إلى القيام بتواصل أفضل وإعطاء عناية خاصة لتأطير المواطنين من أجل التعريف بالمنجزات المهمة التي حققها المغرب في جميع المجالات، ودعى الأحزاب السياسية والإعلام والمجتمع المدني إلى تواصل إيجابي مع المواطنين من أجل التعريف بالحقوق والواجبات، وهذا يعني أن على الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني فتح قنوات التواصل الإيجابي والبناء مع المجتمع ومع الشباب بشكل خاص من أجل نشر الوعي حول المسار أو النهج الديمقراطي الذي اختاره المغرب لبناء نهضته، ومن خلال التعريف بقيمة المواطنة كقيمة رديفة للديمقراطية، وكذلك بأهمية و ضرورة ولوج المؤسسات وخوض غمار الانتخابات أو الانخراط في منظمات المجتمع المدني من أجل الترافع و الدفاع عن القضايا الأساسية التي يراها الشباب ذات أهمية، وبالأخص مباشرة الإصلاحات في الصحة والتعليم والعدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد، باعتبار أن هذه العملية من شأنها تقويم العمل الحزبي والمؤسساتي والمدني وضخ دماء شبابية جديدة في جسده المتهالك.
وقد أولى الخطاب الملكي أهمية بالغة لمسألة تأطير المواطنين، وهي دعوة مبطنة إلى القيام بالدور المنوط بها كمخاطب مباشر لهم، وذلك عبر القنوات القانونية والمجتمعية المتاحة والممكنة، كما يبرز ذلك من ناحية أخرى أن الخطاب الملكي يستحضر ويعي خطورة غياب الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والإعلام عن القيام بدورها التوعوي و التأطيري المنوط بها، والتي من أبرز نتائجها خروج الشباب للتظاهر والاحتجاج والدعوة إلى تجاوز الوسائط التقليدية والمؤسسات.

المحور الثالث: حول إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية والمجالية

في هذا المحور عرج الخطاب الملكي على خطاب العرش الأخير مذكرا بضرورة ألا تكون هناك سرعتين في التنمية في البلاد، سرعة مغرب يعيش على إيقاع الأوراش والمشاريع والاستثمارات الكبرى التي تنجز في المدن والأقطاب التنموية الكبرى، وسرعة مغرب آخر بطيئة التنمية لا تعرف نفس الدينامية التنموية وتفتقر للفرص والخدمات البسيطة، مشيرا إلى أن تسريع وتيرة المغرب الصاعد تستلزم إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، وهذه وإن كانت تندرج ضمن اختصاص الحكومة؛ إلا أنها من القضايا الكبرى التي تتجاوز الزمن الحكومي، ما يعني أنها تتطلب التحلي بالبعد الإستراتيجي وتحشيد الإمكانيات و تنفيذ الالتزامات وكذلك مواصلة نفس النهج التنموي من طرف الحكومات المتعاقبة.

ومن جهة أخرى قام الخطاب الملكي بالتذكير بالديناميات التي أطلقها الملك أمام تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية أكبر بما يضمن استفادة الجميع من ثمار التنمية وتكافؤ الفرص في مختلف الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وهو جواب على المسيرات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد في الشهور الأخيرة وبالأخص في المناطق الجبلية النائية ( أزيلال وغيرها …) والتي تطالب بالخدمات الاجتماعي، مبرزان أن التنمية المحلية هي المرآة التي تعكس مدى تقدم المغرب الصاعد والمتضامن، باعتبار أن العدالة الإجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست مجرد شعار فارغ أو أولوية مرحلية بل توجه ِاستراتيجي على الدولة وجميع الفاعلين الإلتزام به، ورهان مصيري ينبغي أن يحكم جميع السياسات التنموية، وركز الخطاب بالخصوص على إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر هشاشة يراعي خصوصياتها وحاجياتها وخاصة الجبال والواحات والمراكز القروية من أجل تحقيق التكامل بين جميع المناطق والجهات.

وتجدر الإشارة إلى أن الخطاب الملكي يوجه دعوة صريحة لجميع الفاعلين في التنمية الترابية من جماعات ترابية وممثلي الدولة المركزية والمؤسسات العمومية والفاعلين في المجتمع المدني إلى تضافر الجهود من أجل الإنخراط بشكل فعال وملموس في الورش التنموي الترابي الكبير الذي يعتبر رهانا اِستراتيجيا للمغرب الصاعد، وهذه المهمة تساءل ضمير المنتخبين والسلطات العمومية وفعاليات المجتمع المدني حول ضرورة التحلي بالنزاهة والأخلاقيات واستحضار المصلحة العليا للبلاد، وهذه المهمة بطبيعة الحال ليست بالهينة بحيث هي مرتبطة بالعقليات وبالثقافة السائدة في المجتمع وبمنظومة القيم، والتي تستلزم ثورة أخلاقية كبرى من أجل القضاء على السلوكيات الإنتهازية والقضاء على الفساد والريع بكل أشكاله، والعمل على بناء اقتصاد تنافسي يعمل على التوزيع العادل لثمار التنمية بين جميع الأفراد والجهات.