وجهة نظر

أرض الصبر والحكمة: كيف كتب المغرب ملحمة الصحراء

إن قضية الصحراء المغربية تتجاوز كونها نزاعا حدوديا أو ملفا دبلوماسيا يدار في أروقة المنظمات الأممية، بل هي ملحمة وطنية كبرى كتبتها أجيال من المغاربة بحبر الإيمان بالوطن، وسقتها دماء الشهداء ورؤى الملوك، حتى غدت رمزاً للوفاء الجماعي ولحكمة الدولة و مؤسساتها. إنها ليست فقط قصة أرض تسترجع، بل قصة هوية تعاد صياغتها في مواجهة العدم، وسيادة تبنى بالحكمة كما تصان بالتضحية.

لقد كان الحسن الثاني، طيب الله ثراه، مهندس المعجزة الأولى، حين وحد الأقدام قبل أن يوحد البنادق، وأطلق المسيرة الخضراء لا كمسيرة نحو التراب، بل كمسيرة نحو الذاكرة. حينها خرج الشعب المغربي في مشهد غير مسبوق من التاريخ السياسي الحديث، ليجعل من النشيد الوطني صلاة جماعية، ومن الرمال كتابا مفتوحا يوقع عليه كل مواطن باسمه. كان الملك الراحل يدرك ببصيرته السياسية أن الأرض لا تسترجع بالقوة فحسب، بل بالرمز والإجماع وبقداسة الانتماء، ولذلك كانت المسيرة الخضراء إعلانا عن ميلاد مفهوم جديد للسيادة، قوامه الالتحام بين العرش والشعب.

ثم جاء جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ليواصل الخيط الذهبي ذاته ولكن بلغة أخرى، لغة التنمية، والبناء، والعقلانية الدبلوماسية. لم يرفع شعار الحرب، بل رفع راية التشييد، فحول الصحراء من موضوع نزاع إلى فضاء للإشعاع. ففي عهده، لم تعد الأقاليم الجنوبية مجرد جغرافيا تنتظر الاعتراف، بل أصبحت مختبرا لنموذج تنموي شامل، ومجالا لتفعيل الجهوية المتقدمة، حيث تمارس السيادة من خلال التنمية، وتترجم الوطنية في شكل مشاريع واستثمارات تربط المغرب بعمقه الإفريقي.

وبين الملكين، امتد جسر من الحكمة، سار عليه رجال الدولة المغاربة ودبلوماسييهم، أولئك الذين حملوا الملف في المحافل الدولية، حملوه كأمانة وطنية صادقة لا مجرد تكليف وظيفي. وفي صمتهم المضيء، عملوا بجد واجتهاد، صانعين الإنجاز بعزيمة وإخلاص، وتحت الرعاية السامية لجلالة الملك سلكوا طريقا صعبا بين حسابات السياسة وتناقضات المصالح، حتى استطاعوا أن يحولوا الصحراء من قضية إلى قناعة، ومن ملف إلى مرجعية في الفعل الدبلوماسي. لقد فهموا أن الدبلوماسية ليست فقط فن الإقناع، بل هي الثبات على المبدأ، و صدقوا بأن المفاوض لا ينتصر حين يرفع صوته، بل حين يفرض منطقه في صمت الكبار.

ولأن المغرب لم يكن يوما وحيدا في معركته، فإن أصدقاءه وشركاءه وحلفاءه الدوليين الذين صدحوا بالحق وساندوا مشروعية وحدته الترابية، يستحقون أن يذكروا في سجل التاريخ بمداد الوفاء. تلك الدول التي آمنت بأن العدالة لا تقاس بميزان القوة، بل بميزان الحق، وفتحت قنصلياتها في العيون والداخلة، وكانت إلى جانب المغرب في الأمم المتحدة وشدت على يده، فكانت بذلك تعيد للعلاقات الدولية شيئا من أبعادها و أخلاقها الؤسسة عليها، وأثبتت أن الشرعية حين تصمد تلهم الآخرين.

وإذا كان الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه قد شكل لحظة فارقة في تاريخ النزاع، فإن الاعتراف الأعمق هو ذاك الذي ناله المغرب في ضمير العالم، إنه اعتراف بحكمة قيادته، وبصبره الاستراتيجي، وبقدرته على تحويل الجغرافيا إلى مشروع حضاري. فقد صار المغرب مدرسة في مهارة الدفاع عن الوطن دون أن يرفع السلاح، وفي صناعة الإجماع الدولي عبر الدبلوماسية الهادئة والمقاربة المتدرجة، حتى بات يضرب به المثل في كيف تصنع الأمم انتصاراتها بالشرعية لا بالضجيج.

إن انتصار المغرب في ملف الصحراء هو انتصار للروح المغربية في أنبل تجلياتها، روح الصبر، والذكاء، والوحدة. إنه انتصار الملوك الذين صاغوا التاريخ لا بالحروب بل بالرموز، وانتصار للشعب الذي جعل من الوفاء عقيدة سياسية، وانتصار لكل يد مغربية شريفة وقعت أو تفاوضت أو خططت أو بنت أو زرعت في رمال الجنوب أملا جديدا.

لقد انتصر المغرب لأنه لم يتعامل مع الصحراء كأرض تستنهض فقط، بل كوعد يحقق من أجل الأجيال القادمة، وكقصة حب أبدية بين الوطن وأبنائه. فالصحراء ليست جنوب الخريطة، بل هي قلبها، وليست امتدادا جغرافيا فحسب، بل هي بوصلة للهوية. وعليه، فإنه يحق لنا اليوم أن نرى بأن الانتصار المغربي لم ينحصر داخل أروقة الأمم المتحدة، بل تحقق كذلك في أحشاء الضمير الإنساني الذي أيقن أن من يزرع في الصحراء الحياة، أحق بها ممن يزرع فيها الوهم.

وبهذا، يظل المغرب شامخا تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس، ومستلهما إرث الحسن الثاني رحمة الله عليه، شاهدا على أن الوطن حين يبنى بالعقل والإجماع، لا يهزم أبدا، بل يتحول إلى فكرة خالدة تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ، لتصبح درسا لكل الأمم.