كثيرة هي الأزمات التي تعصف بشعوب دول الساحل الإفريقي، والتي تتمثل غلابا في انعدام الأمن الغذائي، وتوغل الإرهاب، وانتشار الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتضم دول منطقة الساحل الإفريقي، دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتشاد، بالإضافة إلى موريتانيا، وتتواجد المنطقة في غرب القارة الإفريقية.
ويجد الملايين من السكان في الساحل الأفريقي أنفسهم عرضة إلى التشرد والاستغلال، بحسب ما تفيد تقارير أممية ما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية التي تعرفها المنطقة المضطربة.
وأُجبر أكثر من 3.3 مليون شخص على الفرار من منازلهم في بوركينا فاسو ومالي والنيجر على مدى السنوات الأربع الماضية جراء نزاعات زادها حدّةً تغيرُ المناخ، وفق ما أفادت به المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سنة 2024.
وعلى مستوى بوركينا فاسو، فرضت التحديات الإرهابية، تحديات إنسانية متزايدة، إذ احتاج نحو 4.7 مليون شخص للمساعدات الإنسانية، فيما تسببت بتشريد أكثر من مليوني نازح داخلياً، و8.8 مليون شخص في مالي.
في غضون ذلك، تشير التقديرات إلى أن نحو 43 % من الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم توجد في منطقة الساحل الأفريقي.
وتواجه دول الساحل تحديات من بينها الجفاف الشديد والفيضانات والعديد من الآثار المرتبطة بالتغير المناخي، فيما توقع تقرير أصدره البنك الدولي في عام 2022، أن تزداد درجات الحرارة في هذه المنطقة بمقدار درجتين مئويتين بحلول عام 2040 ما يتطلب المزيد من الدعم والمساندة التنموية.
وشدّد البنك الدولي أهمية تلبية احتياجات دول الساحل الخمس لتعزيز إجراءاتها في مواجهة التحديات المناخية، وعلى أهمية تحقيق نمو اقتصادي “سريع وقوي وشامل” في هذه المنطقة لمساعدتها على “التكيّف بشكل أفضل مع التغيّر المناخي”.
الإرهاب يتمدد
وخلال أغسطس 2025، قال مسؤولون كبار في الأمم المتحدة، إن النشاط “الإرهابي يتصاعد في منطقة الساحل الأفريقي المضطربة، مما يزيد من معاناة النساء والفتيات ويجعل حياتهن أكثر خطورة وصعوبة.”
وقال الممثل الخاص للأمم المتحدة، ليوناردو سانتوس سيماو، أمام مجلس الأمن: “لقد تصاعد النشاط الإرهابي من حيث النطاق والتعقيد والدقة”. لافتا إلى أن الجماعات الإرهابية تستخدم الطائرات المسيرة وتزيد من تواطؤها مع المجرمين الذين ينشطون عبر الحدود.
ومن جهتها قالت ليلى بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن منطقة الساحل هي الأكثر تضررًا من الإرهاب على مستوى العالم. وتابعت: “الحياة بالنسبة للنساء والفتيات تحت سيطرة الإرهاب هي حياة من الإقصاء من الفضاء العام”.
ولفتت إلى أن “هناك أكثر من مليون فتاة خارج المدرسة في البلدان الثلاثة بسبب العنف، و60% منهن لم تلتحقن بالفصول الدراسية قط، مما ساهم في ارتفاع معدلات زواج الأطفال.”
مجاعة خانقة
ويواجه أكثر من 28 مليون شخص خطر الجوع؛ بسبب الجفاف، والتغير المناخي، والصراعات المسلحة، والأزمات السياسية والاقتصادية، حسب ما أفادت به المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، خلال أغسطس 2025.
وتُعدّ مالي وبوركينا فاسو والنيجر من بين أكثر المناطق تضرراً، حيث يعتمد نحو 15 إلى 17 مليون شخص في هذه الدول الثلاث وحدها على المعونات الإنسانية للبقاء.
ويحذّر تقرير أممي من أن «1 من كل 5 أشخاص في الساحل يحتاج إلى مساعدات عاجلة»، بينما يتقلص حضور المنظمات يوماً بعد يوم، إما بفعل العنف، أو بسبب قرارات حكومية ذات طابع سياسي.
وخلال شهر مارس 2025، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من توقف تقديم المساعدات الغذائية والتغذوية المنقذة للحياة في منطقة الساحل الوسطى ونيجيريا في أبريل/نيسان 2025 دون تمويل عاجل.
وقالت مارجو فان دير فيلدن، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي لمنطقة غرب أفريقيا، “إن الانكماش العالمي للمساعدات الخارجية يشكل تهديداً كبيراً لعملياتنا في غرب أفريقيا، خاصة في منطقة الساحل الوسطى ونيجيريا. مع توقع مواجهة ملايين الأشخاص لمستويات الطوارئ جراء الجوع خلال ذروة موسم الندرة الغذائية، ويجب على العالم تكثيف الدعم لمنع تفاقم الوضع. نحن بحاجة إلى التحرك الآن لتمكين برنامج الأغذية العالمي من الوصول إلى المحتاجين بالدعم المناسب في الوقت المناسب. فالتقاعس عن العمل سيكون له عواقب وخيمة على المنطقة وما بعدها، إذ أن الأمن الغذائي يعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.”
وبحسب تحليلات نشرها البرنامج بهذا الخصوص، فإن غرب أفريقيا تعاني من أزمة حادة في الأمن الغذائي والتغذية. ومن المتوقع أن يعاني حوالي 52.7 مليون امرأة ورجل وطفل من الجوع الحاد بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2025.
وقال إن ذلك يشمل ذلك 3.4 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الطارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل) في منطقة الساحل، و2,600 شخص يعانون من مجاعة كارثية (المرحلة الخامسة) في شمال مالي.
وأكد أن المنطقة تعاني من نقص مزمن في التمويل. ونتيجة لذلك، يضطر برنامج الأغذية العالمي “بانتظام إلى اتخاذ القرار الصعب بقطع الحصص الغذائية، مما يعني في الواقع أخذ المساعدات من الجائعين لتوفير الغذاء إلى الذين يعانون من المجاعة.”
وتحدث عن تدفق اللاجئين الوافدين من السودان إلى تشاد، وأكد أن ذلك يشكل ” ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة بالفعل، مما يؤدي إلى تأجيج التوتر والمنافسة بين المجتمعات، وحدوث ازدحام في المواقع القريبة من الحدود مع السودان. ”
وأضاف أن “هذا يثير القلق بشكل خاص حيث تدخل تشاد في عام 2025 عامها السادس على التوالي من انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث يتأثر 4.2 مليون شخص خلال موسم الجوع بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب – بزيادة تزيد عن 200 بالمئة مقارنة بعام 2020.”
استجابة إنسانية
وتجد المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية في الساحل، نفسها مُحاصَرةً بين حكومات تتهمها بالتجسس، ونيران الجماعات الإرهابية.
ومع ذلك، ساهم بعض التدخلات الإنسانية، في التخفيف من معاناة الشعوب هناك، ووفر لهم المأوى والغذاء والدواء رغم القيود المفروضة هناك.
ومن بين تلك التدخلات، جهود دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث غطت تدخلاتها بشكل كامل، دول المنطقة موريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد ومالي والنيجر.وخلال الفترة من 2018 إلى 2023 بلغت قيمة المساعدات الخارجية الإماراتية لدول الساحل الأفريقي الخمس 750 مليون دولار أمريكي، ما يشكل 3% من إجمالي مدفوعات المساعدات الخارجية للدولة خلال هذه الفترة.
وقدمت حوالي 75% من المساعدات الخارجية الإماراتية لدول الساحل في صورة مساعدات تنموية، في حين شكلت المساعدات الخيرية والإنسانية 16% و9% على التوالي.
وأسهمت المساعدات التنموية الإماراتية، في الحد من تداعيات وآثار التغير المناخي، ومواجهة التحديات الاقتصادية التي تتعامل معها تلك الدول.