المقاعد الثلاثة بالعيون.. من ينجح في إقناع الناخب؟
تأتي الانتخابات التشريعية بالمملكة المغربية باعتبارها محطة أساسية في ممارسة المواطنين لحقهم الدستوري في اختيار ممثليهم داخل مجلس النواب، وهي مناسبة لتجديد التمثيلية السياسية ومساءلة البرامج والحصيلة والاختيارات المعروضة أمام الناخبين. ويؤكد الدستور أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، بما يجعل المشاركة الواعية والاختيار المسؤول عنصرين أساسيين في إنجاح العملية الانتخابية.
وفي الأقاليم الجنوبية، تكتسب الانتخابات خصوصيات مرتبطة بالمجال الجغرافي والاجتماعي والتنموي وبالمكانة التي تحظى بها هذه الأقاليم في النقاش الوطني. فالناخب الصحراوي لا ينظر فقط إلى الخطاب السياسي العام، بل يهتم أيضا بمدى قدرة المرشحين على فهم خصوصيات المنطقة، والدفاع عن مصالحها، والمساهمة في تعزيز التنمية والاستثمار والتشغيل والخدمات، وتمثيل تطلعات سكانها داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي إقليم العيون، تتنافس عشرات الأحزاب واللوائح من أجل الظفر بالمقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة الانتخابية، وهو ما يجعل المنافسة مفتوحة على تعدد الاختيارات والبرامج والوجوه. وفي مثل هذه المنافسة، لا يكون الحسم بمجرد كثرة الشعارات أو قوة الحملة الانتخابية، وإنما من خلال قدرة كل حزب ومرشح على إقناع الناخب بأنه يمتلك رؤية واقعية، وفريقا قادرا على العمل، وحضورا فعليا في قضايا الإقليم.
ولا يُبنى قرار الناخب في العيون بالضرورة على عامل واحد، وإنما يتشكل من مجموعة من الاعتبارات المتداخلة، وفي مقدمتها الثقة والمصداقية والمنجزات. فالناخب يريد مرشحا يعرفه ويطمئن إلى حضوره وسلوكه والتزامه، ويعتقد أنه قادر على تمثيله والدفاع عن قضايا الإقليم داخل البرلمان. كما أن التواصل مع المواطنين، والقرب منهم، والاستماع إلى انشغالاتهم، ومعرفة تفاصيل الحياة اليومية للسكان، كلها عوامل يمكن أن يكون لها وزن في تشكيل القرار الانتخابي.
ويظل البرنامج الانتخابي الواقعي والواضح من العناصر المهمة في استقطاب الناخب، خصوصا عندما يتناول قضايا ترتبط مباشرة بحياة المواطنين ومستقبل أبنائهم، مثل التشغيل والاستثمار والتعليم والصحة والسكن ودعم الشباب والمقاولات وتحسين الخدمات وتعزيز التنمية المحلية. فالناخب يريد أن يعرف ماذا سيُنجز، وكيف سيُنجز، وما الذي يمكن أن يتغير فعليا على أرض الواقع، وليس فقط الاستماع إلى عناوين عامة ووعود انتخابية.
كما أن حصيلة الحزب والمرشح وتجربتهما السابقة تدخل ضمن المعطيات التي يمكن للناخب أن يستحضرها عند الاختيار، إذ يستطيع المواطن أن يقارن بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود وما تحقق، وأن ينظر إلى قدرة المنتخبين على تحويل المطالب المحلية إلى مبادرات ومشاريع ومرافعة داخل المؤسسات. وفي العيون تحديدا، تبرز أهمية معرفة خصوصيات الإقليم والقدرة على الدفاع عن مصالحه الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وعلى المساهمة في خدمة سكانه وتمثيلهم بصورة فعالة.
ومن هذا المنطلق، فإن الناخبين مدعوون إلى ممارسة حقهم الدستوري في التصويت بكثافة، باعتباره حقا من حقوق المواطنة وواجبا مدنيا يتيح للمواطن أن يكون طرفا في اختيار ممثليه وصناعة المؤسسات التي ستتولى تدبير الشأن العام. فالمشاركة لا تعني بالضرورة التصويت لفريق أو حزب بعينه، وإنما تعني أولا عدم ترك القرار للآخرين، وممارسة الحق الانتخابي بوعي ومسؤولية، والاحتكام إلى البرامج والحصيلة والثقة والقدرة على التمثيل.
وفي مقابل ذلك، ظهرت أصوات تافهة و محدودة ومعزولة تدعو إلى مقاطعة الانتخابات الجارية، وتربط بعض الخطابات هذه الدعوات بقيادة جبهة البوليساريو الفاشلة. ومهما كان مصدر هذه الدعوات، فإن الموقف الديمقراطي من المقاطعة أو المشاركة يظل في النهاية خيارا فرديا للناخب، بينما يبقى الحكم الحقيقي على جدوى أي خطاب من خلال مدى قدرته على إقناع المواطنين بالحجة والوقائع. وفي المقابل، فإن المشاركة الواسعة تمنح المواطنين فرصة التعبير عن اختياراتهم بأنفسهم، بدلا من ترك الساحة للخطابات التي تدعو إلى العزوف عن ممارسة الحق الانتخابي.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال في إقليم العيون ليس: من يستحق الفوز مسبقاً؟ وإنما: أي حزب وأي مرشحين سيتمكنون، وفق معطيات الناخبين أنفسهم، من نيل ثقتهم يوم الاقتراع؟ فالناخب هو صاحب الكلمة النهائية، وعليه أن يزن الخيارات المعروضة أمامه وفق الثقة والمصداقية وقوة الشخصية والبرنامج والحصيلة والقرب من المواطنين والقدرة على الدفاع عن مصالح الإقليم، ثم يمنح صوته لمن يراه، وفق هذه المعايير، جديرا بتمثيله. وهكذا يصبح الفوز نتيجة لاختيار المواطنين، وليس حكما مسبقا يفرض عليهم من خارج صناديق الاقتراع.
اترك تعليقاً