وجهة نظر

من ذكرى المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة

بالإضافة إلى عيد الاستقلال الذي يرمز إلى تاريخ رجوع الملك محمد الخامس من منفاه لإعلان “انتهاء عهد الحجر والحماية”، يعتبر يوم 6 نوفمبر عيدا وطنيا بالمملكة، حيث يتم سنوياً في هذا اليوم تنظيم احتفالات بجميع المدن المغربية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء. لكن بلاغا صادرا عن الديوان الملكي بتاريخ 4 نونبر 2025، أي قبل يومين من الاحتفال الوطني بخمسين سنة على ذكرى هذه المسيرة الخضراء، قرر رسميا تحويل يوم 31 أكتوبر من كل سنة إلى عيد وطني جديد يحمل اسم “عيد الوحدة”، وذلك اعتبارا للتحول التاريخي الذي شهدته قضية الصحراء المغربية وما تكرسه من وحدة وطنية وترابية راسخة.

تعد ذكرى المسيرة الخضراء رمزا للوحدة الوطنية والتلاحم بين أبناء الشعب المغربي، فقد جمعت بين المغاربة من مختلف المناطق والخلفيات لتحقيق هدف وطني مشترك، كما ساهمت في تحقيق الاستقرار السياسي في المغرب، حيث مكنت من استعادة السيادة الوطنية على الأراضي الصحراوية، مما ساهم في تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي في البلاد. وقد حظيت المسيرة الخضراء باهتمام دولي واسع، حيث أيدت العديد من الدول والمنظمات الدولية حق المغرب في أراضيه الصحراوية، وساهم هذا الاعتراف الدولي في تعزيز موقف المغرب حول قضيته الأولى.

في 16 أكتوبر 1975، أي في اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري، أعلن الملك الحسن الثاني من خلال خطاب ألقاه بمدينة مراكش عن تنظيم مسيرة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية الجنوبية ووضع حد للاستعمار الإسباني. وجاء في نص خطابه: «ماذا بقي علينا أن نعمل شعبي العزيز؟ بقي لنا أن نتوجه إلى أرضنا الصحراء فتحت لنا أبوابها قانونيا. اعترف لنا العالم بأسره بأن الصحراء كانت لنا منذ قديم الزمن، واعترف لنا أيضا بأنه كانت بيننا وبين الصحراء روابط وتلك الروابط لم تُقطع تلقائيا وإنما قطعها الاستعمار…»

كما وجه الملك الحسن الثاني في 24 أكتوبر 1975 خطابا إلى المواطنين، ومن بين ما جاء فيه: «هذه هي مسيرتنا شعبي العزيز، هذه مسيرتنا منذ سنة ونحن نخطط ونحن نرسم ونحن نجمع الحجج تلو الأخرى، الحجج التاريخية والقانونية والبشرية، ونحن نحاول أن نفتح الأذهان والأفكار للعالم بأسره حتى يقتنع من قوة حججنا وحتى يؤمن بحقوقنا…»

وأشار الملك في خطابه إلى فئة من الصحراويين الذين كانوا يدعمون الانفصال عن المغرب، وقال لهم بشكل واضح إنهم كانوا خاضعين لأطماع المستعمر، وعليهم طي صفحات الماضي وجمع الشمل. كما قال في خطابه: «إننا لنعلم أن كل من ذهب نحو الإسبان أو ذهب نحو ما يسمي نفسه بجبهة التحرير إنما ذهب مغرورا، ذهب ضحية حيل وشبكات. فارجعوا إلى رشدكم، أرشدكم الله ووفقكم، وأعطوا مثالا آخر جديدا للتاريخ على مدى نضجكم».

وبعد الإعلان عن القرار الملكي حول المسيرة، ألقى الملك الحسن الثاني في 5 نوفمبر 1975 بمدينة أكادير خطابا موجها لمتطوعي المسيرة الخضراء، قال فيه: «شعبي العزيز، غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز». وختم خطابه قائلا: «فسر شعبي العزيز على بركة الله، تكلؤك عنايته وتحف بك رعايته…»

بعد نجاح المسيرة الخضراء على المستوى الشعبي والعالمي ودخول المتطوعين المغاربة إلى الأراضي الصحراوية المغربية، أعلن الملك الحسن الثاني في 9 نوفمبر 1975 أن المسيرة الخضراء حققت المرجو منها وطلب من المشاركين الرجوع إلى نقطة الانطلاق أي مدينة طرفاية. وقال في خطابه: «أيها المتطوعون، لكم التنويه الوطني من مواطنيكم ومني على ما قمتم به من عمل، وعلى ما جسمتموه من قوة سلمية فكرية قدرت على شق الأحجار وتمكنت من لفت الأنظار إليها من جميع أنحاء العالم…»

فإذا كان من نتائج حدث المسيرة الخضراء الذي أصبح من العلامات الفارقة في تاريخ المغرب الحديث قبول إسبانيا إجراء المفاوضات والوصول إلى اتفاقية مدريد الموقعة يوم 14 نوفمبر 1975، والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد دخل المغرب إلى العيون سلميا وانسحبت الإدارة الإسبانية من المنطقة يوم 26 فبراير 1976. غير أن المغرب دخل بعد ذلك في حرب دامية دامت أكثر من 15 سنة واستعملت فيها كل أنواع الأسلحة الفتاكة، وانتهت بانتصار المغرب عسكريا من خلال اتفاقية وقف إطلاق النار سنة 1991، لتبدأ مرحلة الحرب الدبلوماسية التي توجت سنة 2007 بمبادرة الحكم الذاتي.

بعد إرجاء تصويت مجلس الأمن حول ملف الصحراء الذي كان مقررا يوم 30 أكتوبر 2025 بسبب طلب قدمته الجزائر بشأن أزمة دارفور، اعتمد مجلس الأمن عشية يوم 31 أكتوبر 2025 القرار رقم 2797، الذي يدعم مبادرة الحكم الذاتي للصحراء باعتبارها الحل الواقعي والجاد للنزاع، مؤكدا على أنها الأساس الوحيد للمفاوضات، وجدد ولاية بعثة المينورسو لمدة عام آخر. وقد اتخذ هذا القرار بأغلبية 11 صوتا مع امتناع 3 دول (الصين، روسيا، باكستان) وغياب الجزائر عن التصويت، وهو ما اعتبره مراقبون دعما واسعا للمغرب وانعزالا للجزائر.

شكل القرار تكريسا لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب منذ سنة 2007، إذ يعد التصويت بأغلبية أصوات المجلس مع امتناع روسيا والصين وباكستان تكريسا لشرعية الحكم الذاتي الدولية، في حين يشكل عدم مشاركة الجزائر في التصويت هزيمة دبلوماسية لخصم طالما نازع المغرب طيلة خمسة عقود أحقيته في استرجاع أقاليمه الجنوبية.

كما أشار الملك محمد السادس في الخطاب الذي ألقاه ليلة الجمعة 31 أكتوبر 2025 إلى أن الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة على الأقاليم الجنوبية عرف تزايدا كبيرا بعد قرارات القوى الاقتصادية الكبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي بتشجيع الاستثمارات والمبادلات التجارية مع هذه الأقاليم، مؤكدا أنها مؤهلة لتصبح قطبا للتنمية والاستقرار ومحورا اقتصاديا بمحيطها الجهوي.

وقد أكد القرار الأممي أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” هو الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، مما شكل نقلة نوعية في طبيعة قرارات مجلس الأمن السابقة. فانتقل المجلس من مجرد وصف المبادرة المغربية بـ”الجدية والمصداقية” إلى اعتبارها “الجوهر القانوني للعملية السياسية”، وهو ما اعتبره محللون صفعة دبلوماسية للجزائر التي حاولت عرقلة القرار.

بعد هذا القرار الأممي، خرجت الجموع الشعبية بمختلف المدن المغربية للاحتفال بالنصر، مباشرة بعد خطاب الملك محمد السادس الذي اعتبر فيه أن المغرب يعيش “فتحا جديدا في مسار ترسيخ مغربية الصحراء والطي النهائي لهذا النزاع المفتعل”، مؤكدا أن “هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده”، ومشددا على أن “حان وقت المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة”.

وتخليدا لهذا التجاوب بين العرش والشعب في قضية وطنية بامتياز، تقرر إقرار يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا يتم الاحتفال به شعبيا. وجاء في بلاغ الديوان الملكي الصادر ليلة 4 نونبر 2025:

“اعتبارا للتحول التاريخي الذي عرفه مسار قضيتنا الوطنية، واستحضارا للتطورات الحاسمة التي حملها القرار رقم 2797/2025 لمجلس الأمن، والتي كانت موضوع الخطاب السامي الأخير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إلى شعبه الوفي، فقد تقرر جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا ومناسبة يتفضل فيها جلالته بإصدار عفوه السامي. وقد تفضل جلالة الملك، حفظه الله، بأن أطلق على هذه المناسبة الوطنية اسم “عيد الوحدة”، بما تحمله من دلالات وإحالات على الوحدة الوطنية والترابية الراسخة للمملكة. وسيشكل هذا العيد مناسبة وطنية جامعة للتعبير عن التشبث بالمقدسات الوطنية للمملكة وحقوقها المشروعة”.