لم يعد يخامر أحدًا شكٌّ في أن ما يحدث داخل الاتحاد الاشتراكي لم يعد مجرد اختلاف تنظيمي أو تنافس قيادي؛ إنه احتلال سياسي طويل الأمد لبيتٍ كان يفترض أن يكون بيت الديمقراطية لا بيت الإقامة الدائمة. إدريس لشكر لا يغادر، لا يتراجع، لا يسلّم المشعل. إنه يتصرف كما لو أن الحزب ملكية وراثية انتقلت إليه بقوة التاريخ، لا عبر لحظة سياسية كان يفترض أن تكون محدودة وبمفعول مؤقت.
التدوينة التي نُشرت عبر الصفحات الموالية له ليست إعلانًا سياسيًا؛ بل بلاغًا سلطويًا مغلفًا بورق الزهد. الزهد هنا ليس فضيلة، بل دعاية: أن تتحدث عن “عدم الرغبة في المنصب”، بينما الجميع يعرف أن كل خيط في التنظيم تم شده، وكل باب في الهياكل أُغلق، وكل منافس تم إسكاته أو دفعه إلى الهامش، فقط لتظل الصورة واحدة: زعيم واحد… حزب واحد… صوت واحد.
الشباب؟ مجرد ديكور انتخابي.
تُعاد تعبئتهم كل موسم ثم يُعاد رميهم في الظل.
كل ما يرونه هو أن الحزب لم يعد فضاء لصناعة القيادة، بل سقف منخفض لا يسمح إلا بظهور نفس الوجوه، بنفس الخطاب، بنفس الشهيّة المفتوحة للاستمرار.
وعندما تظهر عبارة من قبيل “رئيس حكومة المونديال”، فهي ليست طرفة ولا خفة ظل. إنها رغبة مكشوفة في إعادة إنتاج الذات كضرورة وطنية، رغم أن التجربة أظهرت أن الزعامة حين تستنزف رصيدها تتحول من رافعة إلى عبء ثقيل.
أما حديث “حماية الحزب من التفكك”، فهو أقرب إلى السخرية السياسية منه إلى التحليل. الحزب لم يتفكك من الخارج. لم يهاجمه خصومه.
الحزب تفكك من الداخل، من لحظة تكميم الأصوات، من تجفيف النقاش، من استبدال المناضل بالمؤثِّر الرقمي، ومن إيمان قيادة كاملة بأن الولاء أهم من الفكرة، وأن التصفيق أعلى قيمة من النقد.
أخطر ما حدث لليسار المغربي ليس خسارة الانتخابات، بل خسارة القدرة على تجديد رموزه.
الزعامة التي لا تعترف بحدودها، تصبح زعامة ضد التاريخ، وضد الحركة، وضد الحياة نفسها.
الاتحاد اليوم أمام لحظة حاسمة:
إما أن يقطع مع سياسة الإغلاق،
أو أن يتحول نهائيًا إلى نادي متقاعدي السلطة؛ مكان يذهب إليه التاريخ ليموت ببطء.
والزعامة التي لا تفهم أن دورها ينتهي…
ستنتهي بالطبع.
لكنها ستسحب معها ما تبقى من الحزب.
إنها ليست معركة أشخاص.
إنها معركة حق جيلٍ كامل في تنفّس السياسة.
فهل يملك الاتحاد الشجاعة لفتح النافذة؟
أم سيبقى ينتظر حتى يختنق الجميع…
وتبقى الزعامة وحدها تتنفس؟
كل شيء الآن يتوقف على سؤال واحد:
هل نريد حزبًا حيًا… أم زعامة لا تموت؟
والتاريخ، كما نعرف جميعًا، لا يحتفظ إلا بالذين عرفوا متى يغادرون.