تأتي ذكرى عيد الاستقلال في ذاكرة المغرب كفجر يتجدد كل عام، ليس بوصفها تاريخا منقوشا على صفحات الزمن فحسب، بل كمرآة تعكس انصهار إرادة العرش والشعب في بوتقة واحدة، ممهورة بدماء الشهداء وصلابة المقاومين، ومشحونة بهتاف الروح التي دافعت عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية. فهي ليست مجرد محطة احتفالية، بل رمز لهوية الأمة التي نهضت من ركام المحن، وشيدت حريتها لبنة لبنة، حتى غدت ذكراه من أعز الذكريات الوطنية التي تعتلج في وجدان كل مغربي من أقصى الشمال إلى تخوم الصحراء.
وتنبجس من هذه الذكرى ملحمة كبرى لم تولد من فراغ، بل تشكلت عبر مسار طويل من التضحيات الجسام، حيث تفتقت ثورة الملك والشعب بوصفها شرارة القدر التي أعلنت دخول المغرب مرحلة الجهاد الأكبر، ليس بالسلاح وحده، بل بالوعي والتمسك بالقيم، وبالإصرار على أن الحرية ليست منحة من مستعمر، بل حق تصونه إرادة الشعوب الحية. ومن قلب هذا الدرب الطويل، تتجلى مشاهد البطولات التي سطرها المغاربة في معارك خالدة مثل الهري وأنوال وبوغافر وجبل بادو وسيدي بوعثمان، حين وقف أبناء القبائل والحواضر صفا واحدا، يواجهون الحديد بالنخوة والنار بالإيمان، ويكتبون بدمائهم صفحات صمود لا تبلى. كما ارتفعت انتفاضات آيت باعمران والأقاليم الجنوبية وغيرها شاهدة على أن الأرض التي تشربت حب الوطن لا تخون.
مع بزوغ ثلاثينات القرن الماضي، أخذ الكفاح الوطني منعطفا جديدا، إذ شرع رواد الحركة الوطنية في معركة الوعي، مؤكدين أن التحرير لا يكتمل إلا بتحرير العقل، فعمقوا الشعور الوطني، ونشروا مبادئ الحرية، وواجهوا مخططات المستعمر التي سعت إلى تفتيت وحدة الشعب وهويته، وعلى رأسها الظهير البربري الذي سرعان ما انقلب على أصحابه بفعل قوة التلاحم الوطني. وجاءت وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 لتعلن، بصوت واحد، أن الوطن يمتلك إرادته المستقلة وأن زمن التبعية قد ولى، وقد كانت رحلة الوحدة إلى طنجة سنة 1947 دليلا قاطعا على أن ارتباط الملك بشعبه كان أقوى من كل محاولات العزل، وأن الإرادة الوطنية لا يفت في عضدها التهديد ولا النفي.
وذروة الملحمة تجلت في محاولة المستعمر تمزيق رابطة الملك بشعبه سنة 1953، حين فرض النفي على السلطان الشرعي، غير أن فعله ذاك لم يزد المغاربة إلا صلابة، فانفجرت الانتفاضات من وجدة إلى تافوغالت، وتعالت شرارات المقاومة في المدن والقرى، وارتفعت العمليات الفدائية بجرأة أسطورية، بدءا من الشهيد علال بن عبد الله مرورا بالشهيد الزرقطوني ورفاقه، وصولا إلى جيش التحرير الذي أطلق شرارة المواجهة في ليلة الأول والثاني من أكتوبر 1955. وجاءت اللحظة الفاصلة بعودة بطل التحرير والاستقلال إلى أرض الوطن، عودة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل إعلانا عن ميلاد المغرب الجديد، وانتقالا من جهاد التحرير إلى جهاد البناء، ومن معركة الأرض إلى معركة الإنسان.
وفي هذا الأفق، انطلقت عمليات تحرير الجنوب سنة 1956، وصولا إلى استرجاع طرفاية سنة 1958، لتحمل الصحراء صوت الوطن من جديد. وتوالت الملاحم في عهد الملك الحسن الثاني، الذي قاد معركة استكمال الوحدة الترابية، بدءاً من استرجاع سيدي إفني سنة 1969، وصولا إلى المسيرة الخضراء سنة 1975، التي كانت بمثابة صلاة وطنية تمشي على الأرض، حيث امتد السيل البشري نحو الصحراء ليكتب بالرايات خطابا لا يشيخ، ثم استرجع وادي الذهب سنة 1979 ليكتمل الامتداد الوطني من طنجة إلى الكويرة.
ومنذ أن نال المغرب استقلاله وصاغ ملحمة التحرر الوطني بقيادة الملك محمد الخامس ثم الملك الحسن الثاني، ظل مسار بناء الدولة الحديثة مشروعا ممتدا تتوارثه الأجيال والعرش في تكامل عضوي بين الشرعية التاريخية ورهان المستقبل. وقد بلغت هذه المسيرة ذروتها خلال 26 سنة من عهد الملك محمد السادس، الذي حمل مشعل ترسيخ السيادة الوطنية وتجذير معنى الاستقلال في بعده المتجدد، من خلال دبلوماسية ملكية هادئة ورصينة نقلت المغرب من مرحلة تثبيت الكيان إلى مرحلة صناعة القرار. فقد شكل القرار الأممي 2797 بشأن الصحراء المغربية لحظة مفصلية تتوج مسارا طويلا من الحكمة وبعد النظر، إذ أقر المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد اقتراح، بل مرجعية نهائية للحل السياسي.
هذا التحول لم يسقط صدفة، بل هو استمرار طبيعي لمسار تاريخي بدأ منذ فجر الاستقلال، حيث تحولت معركة استكمال الوحدة الترابية من تحرير الأرض إلى تثبيت السيادة داخل المؤسسات الدولية. ومع الملك محمد السادس، اكتسب هذا الورش روحا جديدة قوامها الحزم في المبادئ والانفتاح في الأساليب، والتنمية كأداة دفاعية تعزز الارتباط بين الإنسان وأرضه. وهكذا أضحى الدفاع عن الوحدة الترابية امتدادا لمعركة التحرر الوطني، لا بوصفه صراعا حدوديا، بل استمرارا لمعنى الاستقلال نفسه، الذي انتقل من مواجهة الاستعمار المباشر إلى تحصين القرار السيادي داخل المنتظم الدولي.
وقد جسد المغاربة هذا الوعي في احتفالاتهم الواسعة عقب صدور القرار الأممي، حيث اندمج الشعور الوطني القديم الذي رافق ملحمة الاستقلال مع لحظة الانتصار الدبلوماسي المعاصر، في مشهد يعكس وحدة الشعب بقيادته في الدفاع عن مقدسات الأمة وثوابتها.
كما أن مرحلة حكم الملك محمد السادس، نصره الله، تؤكد لنا على أن الاستقلال ليس مجرد حدث تاريخي مضى، بل مسار مستمر وملهم يتجسد اليوم في حماية مكتسبات الوحدة الترابية، وبناء الأقاليم الجنوبية كركيزة للاستقرار والازدهار، وفق رؤية ملكية متجددة تعيد تعريف مفهوم السيادة في عالم معقد ومتغير. وفي هذا السياق، يواصل المغرب تعزيز وحدته الترابية من خلال مقاربة حكيمة تجعل الدبلوماسية أداة أساسية لدعم مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الحل الواقعي والناضج للنزاع المفتعل حول الصحراء. وقد أسهم ذلك في ترسيخ المواقف الدولية المؤيدة، وتأكيد المكانة المغربية كقوة فاعلة في الاستقرار والتنمية في محيطها الإفريقي، ورصيد للتعاون وصناعة السلم.
ويأتي الاحتفال بعيد الاستقلال في وقت أصبحت فيه الأقاليم الجنوبية نموذجا للجهوية المتقدمة ومحركا رئيسيا للتنمية، دليلا على أن مسيرة التحرير ليست صفحة من الماضي، بل مسار حيوي يتجدد بتجدد همم الأجيال، ليصبح عيد الاستقلال مناسبة لإذكاء وعي الناشئة، ولتذكيرهم بأن الحرية لم تمنح يوما هبة، بل هي ثمرة جهاد وتضحيات، وأن الوطن ليس مجرد أرض، بل ذاكرة ومسؤولية ورسالة تمتد من عهد السلاطين والمجاهدين إلى عهد البناء والتقدم المستمر.