ر
المغرب العميق

دراسة أكاديمية تكشف تصدر جهة بني ملال قائمة المناطق الطاردة للأطر الصحية بالمغرب

كشفت رسالة ماستر حديثة أعدها الباحث عبد اللطيف اهنوش أن جهة بني ملال خنيفرة تحتل المرتبة الأخيرة على الصعيد الوطني كأقل منطقة جاذبية للموارد البشرية في قطاع الصحة، مما يجعلها بيئة طاردة للأطباء والممرضين بشكل مقلق. وأظهرت نتائج البحث بالأرقام أن الكثافة الصحية بالجهة لا تتجاوز 1.6 إطار صحي لكل 1000 نسمة، وهو معدل ضئيل جدا مقارنة بتوصيات المنظمة العالمية للصحة التي تحدد الحد الأدنى عند 4.5 لكل 1000 نسمة لضمان تغطية صحية لائقة، كما أنه يمثل نصف ما تسجله جهات أخرى أكثر جاذبية بالمملكة والتي تصل إلى 3.2 إطار لكل ألف نسمة.

أوضحت الدراسة، التي نوقشت في المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة ببني ملال لنيل شهادة الماستر في تخصص تدبير وجودة المصالح الصحية، أن هذا العجز البنيوي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لضعف “الجاذبية الترابية” للجهة.

وأشار البحث، الذي حمل عنوان “تأثير الجاذبية الترابية على تدبير الموارد البشرية بقطاع الصحة: جهة بني ملال خنيفرة نموذجا” وأشرف عليه الدكتور رشيد لطفي، إلى أن عوامل متعددة ومتداخلة تؤثر سلبا على عمليات التوظيف والاستقرار المهني، أبرزها البعد الجغرافي للمنطقة، وعدم كفاية البنية التحتية، وغياب التدابير التحفيزية الفعالة، بالإضافة إلى النقص الحاد في الخدمات الاجتماعية الأساسية التي تعتبر ضرورية لأي إطار صحي وأسرته.

وأكدت المعطيات الميدانية التي جمعها الباحث وحصلت عليها جريدة “العمق” أن الخصائص الترابية للجهة تؤثر بشكل مباشر على استبقاء وتحفيز العاملين في المجال الصحي، مما يخلق حلقة مفرغة من عدم الاستقرار.

وبحسب المصدر ذاته، فإن آراء الشغيلة الصحية تعكس هذا الواقع بمرارة، حيث يرى 93% من المهنيين المستجوبين أن البنية التحتية المتوفرة تؤثر سلبا على رضاهم الوظيفي، بينما لا يتوقع 59.6% منهم تحقيق استقرار مهني مستدام في الجهة، وهو ما يفسر طلبات الانتقال المرتفعة. كما اعتبر 73% من المشاركين أن المناخ المحلي العام، بظروفه الاجتماعية والاقتصادية، غير جاذب للاستقرار.

واعتمد البحث في تشخيصه على منهجية علمية مزدوجة لضمان دقة النتائج، حيث جمع بين التحليل الكمي والنوعي. وأفاد الباحث بأن الدراسة شملت استبيانا مفصلا وجه إلى عينة واسعة تضم 413 من المهنيين الصحيين من مختلف الفئات، وتم تحليل بياناته باستخدام برامج إحصائية متقدمة. واستكمل هذا الجانب بإجراء 12 مقابلة شبه موجهة مع مسؤولين إقليميين في إدارة الموارد البشرية، شملت المدير الجهوي للصحة والمناديب الإقليميين الخمسة، بهدف فهم أعمق للتحديات الإدارية والواقع الميداني.

وأظهرت التحليلات الإحصائية وجود علاقات ارتباط معنوية بين متغيرات محددة واستقرار الموظفين. ووفقا للدراسة، فإن فرص التطور المهني المتاحة، ومستوى الدعم السياسي المقدم للقطاع، بالإضافة إلى تبني سياسات تنمية مستدامة، تؤثر بشكل مباشر وإيجابي على قرار الموظفين بالبقاء في المنطقة، وهو ما يغيب حاليا بشكل كاف في الجهة.

وأشار الباحث عبد اللطيف اهنوش إلى أن دافعه الشخصي لاختيار هذا الموضوع نبع من انشغالاته اليومية ومعاينته المباشرة لمعاناة الشغيلة الصحية من جهة، والساكنة من جهة أخرى، بسبب هذا النقص الحاد في الأطر الذي يؤثر على جودة الخدمات الصحية المقدمة. وأضاف أن البحث لم يكتف بالتشخيص، بل قدم مقترحات عملية قابلة للتطبيق نابعة من صميم الواقع المعاش.

وخلصت الدراسة في توصياتها الختامية إلى نتيجة حاسمة مفادها أنه لم يعد من الممكن التعامل مع الجاذبية الترابية كعامل ثانوي، بل يجب اعتبارها عاملا استراتيجيا محوريا في بناء أي سياسة صحية ناجعة. وشددت الرسالة على ضرورة تبني مقاربات محلية تراعي خصوصيات كل إقليم داخل الجهة، بهدف تحقيق عدالة حقيقية في توزيع الخدمات الصحية، والأهم من ذلك، تعزيز استقرار الموارد البشرية الذي يعد حجر الزاوية في أي نظام صحي فعال.