وجهة نظر

من الوعظ إلى التمكين: الحاجة الملحّة إلى جمعيات أسرية فاعلة في سياق الهجرة

تواجه الأسر المسلمة في الغرب جملة من التحديات المركّبة، تتراوح بين التفكك الداخلي، والصدام الثقافي، والارتباك الهوياتي. وفي ظل هذه التحولات العميقة، يبدو أن الخطاب التقليدي لم يعد قادراً على الاستجابة لاحتياجات الواقع الجديد. لقد بلغنا لحظة تستدعي مراجعة أدواتنا وإعادة بناء مناهج العمل، بما يسمح بالانتقال من نمط الوعظ العام إلى مقاربة أكثر تخصّصاً تقوم على التمكين الاجتماعي والمعرفي.

الإمامة والواقع: نحو قراءة اجتماعية دقيقة

أشرتُ في مقال سابق حول “الإمام الذي يقرأ الواقع الفرنسي” إلى أن الإمامة تجاوزت حدود الوظيفة الدينية المحصورة في محراب المسجد، لتغدو مسؤولية فكرية واجتماعية ذات أبعاد متعددة. فالإمام الذي يعجز عن استيعاب السياق – بما يتضمنه من تحديات الهوية، والهشاشة الاجتماعية، والتفكك الأسري – لا يمكنه الاضطلاع بدور القيادة الروحية الحقيقية. وهذا التشخيص ينطبق، في جوهره، على الجمعيات الأسرية المعنية بالشأن الأسري في الغرب.

فالجمعية التي تسعى لخدمة الأسرة لا بد أن تنتقل من “منصة الوعظ” إلى “مختبر اجتماعي”، وأن تتحول من تقديم الخطب والمحاضرات إلى الانخراط المباشر في بنية المشكلات الأسرية، وأن تستبدل منطق التلقين بمنهج التغيير المستند إلى المعرفة والخبرة.

الشرعية المفقودة: بين التمثيل والتمكّن

إن أخطر ما يمكن أن يُصيب العمل المجتمعي هو تحوله من فضاء للخدمة إلى فضاء للسلطة. فبعض الجمعيات – كما بعض الأئمة – تتمسك بمواقعها لا انطلاقاً من شعور بالمسؤولية، بل رغبة في الحفاظ على المكانة والظهور. وقد يؤدي هذا السلوك إلى ممارسات تقوض الثقة العامة وتشوه صورة العمل الجماعي.

وفي السياق الفرنسي، ظهرت شخصيات تُقدّم نفسها بوصفها “خبراء في الشأن الأسري”، من دون امتلاك حد أدنى من التأهيل العلمي أو التكوين المهني. هؤلاء لا يملؤون الفراغ المعرفي بل يزيدونه اتساعاً، ولا يصحّحون مسار الأسر بل يربكونه عبر خطاب إنشائي ومفاهيم تفتقر إلى العمق والأصالة المنهجية.

نحو شرعية جديدة: الكفاءة أساساً للاستحقاق

تحتاج المرحلة الراهنة إلى جمعيات قادرة على الجمع بين المرجعية الإسلامية والسياق الاجتماعي، بين التراث الإنساني والحاجات المعاصرة، وبين النصوص الدينية ومتطلبات الواقع. جمعيات تُنصت للأسر، وتبني برامجها بالتفاعل مع حاجات المجتمع لا بالوصاية عليه، وتعيد تأسيس شرعيتها على قاعدة الاستحقاق العلمي والمهني لا على الادعاءات الخطابية.

إن الجمعية الفاعلة هي التي تنطلق من فهم دقيق لتحولات مجتمعها، وتبذل جهداً منتظماً في تشخيص المشكلات الأسرية بحثاً عن حلول عملية، وتعيد صياغة الوعظ ليصبح أداة علاج وتوجيه، لا مجرد تكرار أو تبرير.

من الإمامة إلى الجمعيات: وحدة في الإشكال والوظيفة

يطرح المشهد الأسري في الغرب سؤالاً مركزياً: هل يمكن إصلاح أوضاع الأسر المسلمة من غير مراجعة دور الجمعيات الإسلامية في تشكيل هذا المشهد؟ الواقع أن الإمامة والجمعيات وجهان لنسق واحد، كلاهما يحتاج إلى إصلاح جذري يعيد تعريف الشرعية وفق معايير معرفية ومؤسسية واضحة.

وكما أن الإمام المنشود هو من يمتلك حسّاً نقدياً ووعياً سياقياً، كذلك الجمعية المنشودة هي التي تستبطن هموم الناس، وتنخرط في معالجتها بجدية، وتسعى إلى خدمة المجتمع لا إلى ممارسة الوصاية عليه.

خاتمة: نحو انتقال من التمثيل الرمزي إلى الفعالية المجتمعية

تظل الأسرة المسلمة في الغرب خط الدفاع الأول عن منظومة القيم والهوية. وتُعدّ الجمعيات الأسرية أحد أهم الأدوات القادرة على الانتقال بالمجتمع من منطق البقاء إلى منطق البناء. غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تحوّل نوعي في بنية هذه الجمعيات: من التمثيل الوظيفي إلى الخدمة الفعلية، ومن الخطاب الإنشائي إلى الكفاءة المهنية، ومن الحضور الرقمي إلى الفاعلية الميدانية.

فالشرعية الجديدة لن تُقاس بكثرة المنشورات أو بالظهور الإعلامي، بل بمدى قدرتها على حل المشكلات اليومية للأسر، وعلى إعادة التوازن للعلاقات الأسرية، وعلى مساعدة الشباب في بناء مساراتهم الحياتية. إنها شرعية الفعالية والأثر، لا شرعية الوجاهة والزعامة الشكلية.