منتدى العمق

 وقفات مع وصية الشيخ ماء العينين لأبنائه ومريديه

خرج الشيخ ماء العينين من السمارة متوجِّهًا إلى تزنيت يوم الخميس 12 من شهر ذي القعدة سنة 1327 هـ، (الموافق تقريبًا ديسمبر 1909 ميلادية)، ودخلها في ربيع الأول عام 1328 هـ، (الموافق تقريبًا مارس 1910 م)، وفيها توفِّي رحمه الله ليلة الثلاثاء 21 شوال من نفس السنة.

قبل وفاة الشيخ ماء العينين وضع وصيته لأبنائه ومريديه، جمع فيها عددًا من النصائح والتوجيهات التربوية والإصلاحية، بدأت بالتقوى وانتهت بأمور التدبير والسياسة. وقد شملت علاقة الإنسان بربه (التقوى – الصبر – صلاح الدنيا والآخرة)، ثم علاقته بمحيطه ومجتمعه الداخلي (نبذ الفُرقة، الاتحاد…)، ثم علاقته بالآخر وبالأجنبي، مع حديثه عن المستعمِر ضمنيًا تحت مسمّى “النصارى”.

ومما يلفت الانتباه في الوصية أنه – مع ما ضمّته من توجيهات- كان الشيخ فيها شارحًا ومُعزِّزًا لكل مفهوم، واضعًا له بيانًا واستدلالًا. فيقول مثلًا: “أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، لأنه هو الذي به صلاح الدنيا والآخرة“، مستشهدًا بقوله تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله
ويقول أيضًا: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم“، ثم يتبعها بكلمة “أي” شارحًا الآية بلفظة “قوّتكم” التي لا تكون—حسب توجيهه—إلا بالصبر الذي أتبعَه الله بقوله تعالى: واصبروا إن الله مع الصابرين

ومن جميل ما جاء في الوصية حديثُه عن السياسة، إذ قال:
“والسياسة فيها أن يُقابَل كلُّ شيء بما يصلح له، والناسُ كثيرٌ من أمرها لا يُظهرونه للناس، لا سيما ما يكون… والذي يُتَّبع في الحقيقة هو الرأي الموافق لحُكم الصواب“.

وتُستخلص من الوصية جملة من الأحكام والمعاني، من أهمها:

أولًا: وجوب تقوى الله، فبها صلاح الدنيا والآخرة.
ثانيًا: الصبر، وبه أيضًا صلاح الدنيا والآخرة والألفة.
ثالثًا: النهي عن الفُرقة والاقتتال، والدعوة إلى الوحدة والتضامن واجتماع الكلمة؛ فذلك أساس القوة التي لا تتحقق إلا بالكثرة والغلبة وربط العلاقات بمن لهم فائدة، وهم المؤمنون.
رابعًا: السياسة في الأمور وحسن تدبيرها، وذلك بمقابلة كلِّ أمرٍ بما يصلح له، وعدم إظهار الأمور، وربما القصدُ العملُ بسريةٍ، خاصةً في الأمور الخاصة، واتباعُ الرأي الموافقِ للصواب.

خامسًا: حُكم التعامل مع النصارى وشروطه؛ فالشيخ يرى أنه لا عداوة مع أحد إلا مع النصارى ما داموا ناقضين للعهد، وتنتهي هذه العداوة بعودتهم إلى بلادهم ووفائهم بما كانوا عليه، مع أخذ الحيطة منهم؛ فلا كلام ولا شر بعد التزامهم بالعهد.
سادسًا: تبنّي سياسة السِّلم ونبذ العداوة مع المسلمين، وقد ختم وصيته بجعل الله تعالى في نحر كل من اعتدى أو نوى الشرّ.

هذه البنود التي اشتملت عليها الوصية ليست إلا جزءًا من فيض سلوك وتربية وإصلاح دام لعقود، كرس فيها الشيخ حياته في نشر العلم والتربية، والجهاد، فكانت مصطلحات الوصية بعضًا من ثمار وقطوف ما زرعه في كتبه ورسائله وتربيته لمريديه وأبنائه، وجهاده ضد المستعمر، ورحلاته وتنقله، حيث كان يريد الإصلاح والجهاد والوحدة، ورفع كلمة الإخاء والإسلام.

انعكست المدرسة التربوية الإصلاحية للشيخ ماء العينين على سلوك تلامذته ومريديه، والشاهد على ذلك قصة أوردها العالم الجليل أحمد بن الشمس الحاجي في كتابه النفحة الأحمدية، حين يقول:
حدثني العلامة المشارك الصوفي الزاهد الناسك الخير النير الشيخ السيد أحمد بن محمد العباسي السناري، المجاور للحرمين، ذو الجولان في البلاد، أنه ما رأى مثل شيخنا، أطال الله حياته وأدام عزه، وقد أتانا في الساقية الحمراء ومعه أناس من أهل مصر والإسكندرية. وسبب أتيانه أنه رأى بعض التلاميذ أصحاب شيخنا، أدام الله عزه آمين، في الحرمين، ورأى استقامتهم والحمد لله، واشتغالهم بما يعنيهم، وسألهم عن أخبارهم وأحوالهم، وذكروا له شيخنا أدام الله عزه، وأعجبه ما ذكروا عنه وما رأى فيهم من تصديق ذلك، وقال لهم: ‘إني جلت البلاد ولزمت الحرمين عشرين عامًا أريد شيخ التربية لا شيخ الأوراد، ما وجدته ولا أثره في أحد، والآن وجدته فيكم أثر شيخ التربية، ولا بد لي من شيخكم’، وسافر مع ضعفه حتى أتى شيخنا أدام الله عزه، ومكث أشهر…”

فالشيخ ماء العينين، كما جاء في وصيته، التي هي تتمة وخلاصة لمسيرة من العطاء والإرشاد، كان فيها، كما قال ابنه الشيخ محمد الإمام:
لا يتعرض للكلام في أحد، ولا ينكر على شخص معين، بل إن وجد لفعله مخرجًا يعتذر عنه، ويلتمس له وجهًا جميلاً، وألا، فينصح نصحًا عامًا، ويتكلم كلامًا مجملًا يُفهم من المقصود، وكان لا يقبل من أتباعه ومريديه إلا الاستمساك بصريح الشريعة والمتواتر من النصوص الذي لا يقبل تأويلاً، وكان يكره البدع ويحذر منها، وكان كثيرًا ما يقول: الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع.”

نختم بما جاء في وصية الشيخ ماءالعينين، التي يوجد منها نسختان على موقع الشيخ ماءالعينين الإلكتروني: إحداهما بخطه، والأخرى بخط ابنه الشيخ محمد الأغظف:

“الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
وبعدُ، فمن كُويتِبه أبلغُ السلام وأفضلُ تحيةٍ وإكرامٍ إلى أبنائنا ومَن يُنسب إلينا من الأحبة عمومًا وخصوصًا…
موجِبُه إليكم أني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، لأنه هو الذي به صلاح الدنيا والآخرة. قال تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).
والتواصي بالصبر، لأنهما اللذان أيضًا يكون بهما صلاحُ الدنيا والآخرة والأُلْفَة. (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، أي قوّتكم، وذلك لا يكون إلا بالصبر الذي أتْبَعَه الله به حيث قال: (واصبروا إن الله مع الصابرين).
وأيضًا: لا تنزعوا أيديكم من الناس التي لكم فيها فائدة، ولأن الكثرة لها شأن، وضعيفان يغلبان قويًّا. ويقال: لا تنزع يدك من ذي شوكةٍ تطأك الذئاب.
وقال تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). ولو شاء لأيّده بلا المؤمنين، ولكنه أيده بهم.
ثم بعد هذا كله لا بد من السياسة في الأمور. والسياسة فيها أن يُقابَل كل شيء بما يصلح له، والناس كثيرٌ من أمرها لا يُظهرونه للناس، لاسيما ما يكون…
والذي يُتَّبع في الحقيقة الرأيُ الموافقُ حكمَ الصواب.
قال الشاعر:
لا تحقرنّ الرأيَ وهو موافقٌ حكمَ الصوابِ إذا أتى من ناقصِ

ثم ليكن في كريم علمكم أنه لا شرَّ بيننا أحدٌ سوى النصارى—لعنهم الله—ما داموا ناقضين العهد مع المسلمين، وإن رجعوا لبلادهم وأخذوا بالعهد الذي كانوا آخذين، فلا كلام معهم ولا شر.
وأما المسلمون فلا شر بيننا مع أحدٍ منهم، ومن نوى شرّنا فإنا جاعلون الله بيننا ومعه، وراجون من الله أن يرد عنا كيده في نحره، ويُسلِّط عليه من يشغله عن مضرتنا.
والسلام.
والله أرجو أن يوفقكم ويُوالِفكم ويبلغ لكم المقاصد بالتمام.
وعلى المحبة والسلام، في ربيع الثاني عام 1327