يمثل مقال الأستاذ فؤاد بوجبير، الباحث في التدبير العمومي، والمعنون بـ**«السوسيولوجيا في وجه الأحزاب السياسية: اختبار الحقيقة»**، الصادر في مجلة MarocHebdo خلال الفترة من 12 إلى 18 دجنبر 2025، إضاءة فكرية عميقة على العلاقة الجدلية والمتوترة بين علم الاجتماع والنخبة السياسية. ينطلق بوجبير من أطروحة مركزية مفادها أن السوسيولوجيا ليست علماً محايداً في نظر الفاعلين السياسيين، بل تُستقبل غالباً باعتبارها تهديداً رمزياً ومعرفياً، لأنها تشتغل بوصفها «مرآة ضرورية» تكشف البنى الخفية للسلطة، وآليات اللامساواة، وأشكال التهميش الاجتماعي.
وتسعى هذه القراءة النقدية إلى تحليل الأفكار الرئيسة التي يطرحها المقال، انطلاقاً من تصور بيير بورديو للسوسيولوجيا باعتبارها «رياضة قتالية»، مروراً بعلاقة المعرفة بالسلطة كما صاغها ميشيل فوكو في أعماله حول المعرفة والسلطة، وصولاً إلى نموذج البلدان الناشئة، وفي مقدمتها المغرب، لاختبار مدى حدة هذا التوتر الذي يمكن وصفه بصراع بين المعرفة السياسية والمعرفة النقدية. كما تهدف القراءة إلى تقييم الدعوة الضمنية التي يقترحها بوجبير إلى إمكانية مصالحة بين مرآة العلم ونرجسية السياسة.
السوسيولوجيا والأحزاب السياسية: صراع المعرفة والسلطة
تقف السوسيولوجيا أمام الأحزاب السياسية بوصفها مرآة نقدية عاكسة، واختباراً حقيقياً لخطابها وادعاءاتها. فالقيادات السياسية تنظر إلى علم الاجتماع، في أحسن الأحوال، باعتباره ترفاً فكرياً، وفي أسوئها، تهديداً مباشراً لشرعيتها وللهياكل التي تقوم عليها. ويكمن مصدر هذا التوتر في أن السوسيولوجيا لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تسعى إلى تفكيك منطق اشتغالها، وهو ما يزعزع المسلمات التي تقوم عليها الخطابات الحزبية.
1. ثبات المتغير: بين حقيقة الخطاب ووظيفة السياسة
تبدو الحقيقة السياسية، عبر التاريخ، ثابتة في خطابها، لكنها متحولة في ممارستها. فالأحزاب السياسية تقدم نفسها باعتبارها حاملة للوعود والإرادة والتغيير، غير أن وظيفتها العميقة غالباً ما تظل مرتبطة بخدمة بنيات سلطوية بعيدة عن متناول المحكومين. هنا يبرز التناقض بين ما يُقال وما يُمارَس، بين السردية المعلنة والواقع الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يستحضر بوجبير أطروحة ميشيل فوكو، كما بسطها في أعماله حول المعرفة والسلطة، والتي ترى أن السلطة لا تُمارس فقط من أعلى، بل تُنتَج باستمرار من خلال شبكات متداخلة من الخضوع والمقاومة معاً. فحيثما توجد السلطة، توجد أشكال مقاومتها، وهو ما يجعل من الحياة السياسية مجالاً مركزياً لتحليل السوسيولوجيا، باعتبارها علماً يهتم بالعلاقات والبنيات، لا بالادعاءات والشعارات.
2. السوسيولوجيا: «الرياضة القتالية» في الظل
غالباً ما يُنتَج الفكر السوسيولوجي بعيداً عن الأضواء، منكبّاً على تحليل التوترات الكامنة في العمل السياسي. ففهم المجتمع، كما يرى بوجبير، يقتضي مساءلته ومنازعته، لا الاكتفاء بقبول صورته الرسمية. غير أن الأحزاب السياسية نادراً ما تكشف، في بنيتها الداخلية، عن الآليات الخفية التي تعتمدها، أو عن الأساطير الرمزية التي تُعيد من خلالها إنتاج شرعيتها.
وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ**«الأحزاب غير المرئية»**، أي شبكات المصالح والعلاقات غير الرسمية التي تتحكم فعلياً في القرار السياسي. هذه الشبكات، التي تظل خارج الخطاب العلني، تشكل موضوعاً مركزياً لعلم الاجتماع، وتكشف أن السياسة ليست مجرد تنافس برامج، بل صراع داخل ما يسميه بورديو «الحقل السياسي»، حيث تتواجه رؤوس أموال رمزية وتنظيمية غير معلنة.
ومن هذا المنطلق، يذكّر بوجبير بوصف بورديو للسوسيولوجيا باعتبارها «رياضة قتالية»، لا لأنها تستهدف الحكام كأشخاص، بل لأنها تفضح ما تسعى السلطة إلى حجبه: التسلسلات الهرمية، واللامساواة، وآليات الإقصاء والتهميش. فالسوسيولوجيا لا تحارب السياسة في ذاتها، بل تحارب أوهامها، وتكشف الازدواجية القائمة بين الخطاب الرمزي والممارسة الواقعية.
3. البلدان الناشئة: المغرب نموذجاً
في السياقات الناشئة، تتسم الشرعية السياسية بهشاشة خاصة، كما لاحظ عالم الاجتماع واللاهوتي الكاميروني جان مارك إيلا. وفي مثل هذه السياقات، تصبح العلاقة بين السوسيولوجيا والأحزاب أكثر حساسية، لأنها تمس أسس بناء الدولة والتمثيل السياسي. فالحزب، بوصفه أيديولوجيا وتنظيماً، يميل إلى تحويل سلطة النخبة الحاكمة إلى أمر طبيعي ومُسلَّم به.
في الحالة المغربية، ومنذ الاستقلال، لعبت السوسيولوجيا دوراً تشخيصياً مهماً، لكنها ظلت محاطة بالحذر والريبة. فقد ساهم مفكرون وباحثون مغاربة، مثل عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي، ولاحقاً جيل جديد من الباحثين، في إعادة التفكير في العلاقة بين السياسة والدين والمجتمع، وكشف كيفية تمويه الأبوية السياسية داخل البنى التاريخية والثقافية. ويتقاطع هذا التحليل للظاهرة السياسية كنتاج للبنى الاجتماعية مع الرؤية الكلية التي قدمها موريس دوفرجيه في كتابه المرجعي علم اجتماع السياسة.
ويشير بوجبير إلى أن الدراسات الكبرى حول اللامساواة الاجتماعية، أو تهميش الشباب، أو الهشاشة الحضرية، كثيراً ما جرى تهميشها أو توظيفها سياسياً، لأن نتائجها تُربك السرديات الرسمية وتفكك خطاب الإجماع. فالسوسيولوجيا، حين تقوم بوظيفتها النقدية كاملة، تصبح معرفة غير مرغوب فيها.
4. المرآة والوعي: نحو مصالحة ممكنة؟
تكمن خطورة السوسيولوجيا في كونها تمنح صوتاً لمن لا صوت لهم: الشباب المهمش، النساء في العالم القروي، والطبقات الشعبية. فهي تقابل الوعد السياسي بسرد نقدي، وتكشف الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش. أما السياسة، فهي ابنة السرديات والأساطير المؤسسة للخيال الجماعي، في حين تنشغل السوسيولوجيا بتفكيك هذه الأساطير لا بإعادة إنتاجها.
ويخلص بوجبير إلى أن اليوم الذي يدرك فيه السياسي أن الفهم ليس خيانة، وأن السوسيولوجيا ليست تهديداً بل مرآة ضرورية للمجتمع، سيكون يوماً مفصلياً في مسار الديمقراطية. حينها فقط، ستتحول المعرفة السوسيولوجية من مصدر خوف إلى أداة وعي، ومن عبء مزعج إلى شرط من شروط التقدم.
خاتمة
لا ينبغي لعلماء الاجتماع أن يخشوا السلطة السياسية، كما لا ينبغي للسوسيولوجيا أن تتحول إلى أداة في يدها. فالسوسيولوجيا لا تعد بإصلاح العالم، لكنها تمنع السلطة من أن تكذب عليه دون مقاومة. إنها بداية الوعي النقدي، وشرط أساسي لجعل المجتمع أكثر عدلاً ووضوحاً. وبهذا المعنى، تحقق الرؤية التي عبرت عنها حنّة أرندت في كتابها ما السياسة؟، حين شددت على مركزية الفعل البشري والفضاء العام في تشكيل المصير المشترك.