يواجه الفعل التعليمي في المغرب تحديات متداخلة تعكس الفوارق المجالية، التنوع الاجتماعي، وتسارع التغيرات التقنية والثقافية في حياة المتعلم. في هذا الإطار، يصبح استلهام ما جاء في القرآن الكريم حول اللسان، وتحديدا قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبيّن لهم﴾، مدخلا غنيا لفهم طبيعة التعلم وفاعلية التدريس. فاللسان هنا لا يعني اللغة فحسب، بل يشمل الثقافة، القيم، الرموز، العادات، وكل ما يشكل بيئة المتعلم المعرفية والنفسية والاجتماعية.
عند دراسة المدرسة المغربية من هذا المنظور، يتبين أن نجاح أي تعلم لا يقوم فقط على نقل المعلومات، بل على قدرة المدرس على مخاطبة المتعلم بلسانه الخاص (اللغة المحلية)، تلك اللغة التي تحمل هويته وتجربته اليومية وسياقه الاجتماعي. ففي المغرب القروي، على سبيل المثال، يعرف المدرس أسر التلاميذ وحياتهم المعيشية، ما يمنحه فرصة لاستثمار هذه الخبرات في الدرس بشكل يعزز الفهم ويخلق تفاعلا حيا بين المتعلم والمعرفة. أما في المدن الكبرى، فتتقاطع لغات متعددة وثقافات متنوعة، ويزداد تنوع الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل فهم “لسان المتعلم” أكثر تعقيدا لكنه أكثر أهمية لتحقيق تعلم ذي معنى.
إن تحويل الفعل التعليمي إلى تجربة ذات معنى يتطلب أيضا إعادة صياغة العلاقة بين المدرس والمتعلم. فالمدرس ليس ناقلا للمعرفة فقط، بل هو مرشد، موجه، وميسر قادر على خلق بيئة صفية تحفز التفكير، تراعي الإيقاعات الفردية، وتستثمر الخبرات المعيشية للتلاميذ. والمتعلم بالمقابل لا يكون متلقيا سلبيا، بل فاعلا نشطا يبني المعرفة من خلال مشاركته وتجربته اليومية، ويشعر بالاعتراف بقيمته داخل القسم.
وتتضح أهمية مبدأ اللسان البيداغوجي عند معالجة المفاهيم المرتبطة بالمحيط المحلي للمتعلم. فدرس الماء، الزراعة أو البيئة في واحة لا يمكن أن يقتصر على النقل المعرفي فقط، بل يجب ربطه بالخبرة المعيشية للتلميذ: الري، النخيل، الحرث، واستعمال الموارد المائية. وبالمثل، في الصفوف الحضرية، يمكن ربط المفاهيم بالممارسات البيئية للمدينة، كإدارة النفايات، الحدائق العامة، ووسائل النقل المختلفة. هذا الربط بين المحتوى الدراسي وواقع المتعلم يعزز معنى التعلم ويقوي هويته المعرفية.
تشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن تجاهل السياق الاجتماعي والثقافي للمتعلم يؤدي إلى نتائج سلبية: قلق، إحباط، انسحاب، وحتى مقاومة التعلم، في حين أن استثمار هذه الخبرات والمعارف المحلية يحول الفصل إلى فضاء تفاعلي، يغذي التفكير النقدي ويخلق الانخراط الذاتي. فاللسان التربوي لا يقتصر على اللغة فقط، بل يشمل الرموز، التمثلات، والعادات التي تصنع معنى التعلم وتؤسس للتفاعل بين المعرفة والهوية، وبين المهارة والانفعال، وبين الفرد والمجتمع.
بناء عليه، يمكن القول إن أي إصلاح تربوي فعال لا يتحقق بمجرد اعتماد برامج جاهزة أو خطط معيارية، بل يبدأ من فهم المتعلم والبيئة التي ينتمي إليها، ومن احترام اللغة والسياق الثقافي كقاعدة لإنتاج المعنى. والتعليم الذي يغفل هذه العناصر يظل آليا، ناقلا للمعلومة، بينما التعليم الذي يستثمرها يصبح تجربة حياة تمنح المتعلم القدرة على التعلم بوعي، والتفكير النقدي، وتطوير ذاته وهويته في آن واحد.
تأسيسا على ما سبق سنحاول تناول تطبيقات عملية لمبدأ اللسان التربوي في المدرسة المغربية، بما يشمل إجراءات لإدماج خبرة المتعلم المعيشية في الدرس، وأساليب التفاعل الإنساني والثقافي داخل القسم، ونماذج لإعادة تشكيل العلاقة بين المدرس والمتعلم وفق مقاربة تربوية سياقية. الهدف ليس مجرد تحسين التحصيل الدراسي، بل جعل المدرسة فضاء غنيا لإنتاج لمعنى، حاضنا للتنوع، ومحفزا للإبداع والتمكين، ومصنعا للجودة، بما يعكس روح التدريس كما أرادها القرآن الكريم: تعليما متجذرا في حياة المتعلم، ومتوافقا مع بيئته وهويته.
ومن التطبيقات العملية لمبدأ اللسان التربوي في مؤسساتنا التعليمية العمومية نقترح ما يلي:
إدماج الخبرة المعيشية للمتعلم في الدرس: أي الانطلاق من تجارب التلميذ اليومية (الواحة، القرية، الحي، السوق، الأسرة، وسائل النقل، العمل الفلاحي أو الصناعي…)، بما يمكنه من تحويل المفاهيم المجردة إلى معان محسوسة وقابلة للفهم والاستيعاب.
استثمار اللغة القريبة من المتعلم دون إقصاء اللغة المدرسية: توظيف الدارجة أو الأمازيغية أو اللهجة المحلية كجسر بيداغوجي للفهم، مع الانتقال التدريجي إلى لغة المدرسة، بدل التعامل مع لغة المتعلم باعتبارها عائقا أو لغة “خارج الدرس”.
تنويع أمثلة الدرس حسب السياق المجالي والاجتماعي: تكييف الأمثلة والأنشطة بين الوسط القروي والحضري، وبين الواحات والجبال والساحل، بما يحترم خصوصيات المتعلمين ويجعل المعرفة متجذرة في محيطهم الواقعي.
إعادة بناء العلاقة البيداغوجية على أساس التفاعل لا التبعية: الانتقال من منطق السلطة الأحادية إلى منطق الإرشاد والمواكبة (تكريس العمل بالمقاربة بالكفايات)، حيث يمنح المتعلم حق التعبير والمشاركة وبناء المعنى، وينظر إلى الخطأ باعتباره فرصة للتعلم.
الانتباه إلى البعد النفسي والانفعالي داخل القسم: قراءة سلوك التلميذ باعتباره تعبيرا عن حالات نفسية واجتماعية (خوف، قلق، حياء، اهتزاز الثقة، خجل)، لا مجرد مشكلات سلوكية أو ضعف معرفي.
تحويل القسم إلى فضاء تواصلي إنساني: خلق مناخ صفي يقوم على الاحترام المتبادل، الإصغاء، والتقدير الرمزي، بما يعزز الإحساس بالأمان النفسي والانتماء، ويحفز التعلم العميق.
ربط التعلمات بالقيم: إدماج البعد القيمي والأخلاقي في الدروس، وربط المعرفة بسؤال المعنى والغاية، انسجاما مع الرؤية القرآنية للتعليم بوصفه فعل بيان وهداية وفهم.
تمكين المدرس من قراءة السياق قبل اختيار الطريقة: جعل التخطيط البيداغوجي عملية مرنة تنطلق من المتعلم وسياقه، لا من الوصفة الجاهزة أو النموذج المستورد، بما يعزز الإبداع المهني للمدرس.
بهذه التطبيقات، يتحول مبدأ “اللسان” من مفهوم قرآني نظري إلى أداة بيداغوجية عملية، تجعل المدرسة المغربية فضاء مفعم بالحياة، متجذر في الواقع، ومتصالح مع هوية المتعلم، لا مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل فضاء لبناء وتأهيل الإنسان. ولا يفهم مبدأ اللسان بوصفه دعوة إلى الانغلاق المحلي، بل باعتباره شرطا تربويا لبلوغ الوطني والكوني؛ إذ لا تستدمج المعرفة العامة إلا حين تبنى انطلاقا من سياق مألوف، يجعل المعنى الكوني قابلا للفهم والتمثل.
الهوامش:
القرآن الكريم، سورة إبراهيم.
Bernstein, B. (1996). Pedagogy, symbolic control and identity: Theory, research, critique. London: Taylor & Francis.
Bourdieu, P. (1990). The logic of practice. Stanford, CA: Stanford University Press.