أثار قرار هيئات المحامين بالمغرب الإضراب عن ممارسة مهام الدفاع بالمحاكم ابتداءً من 6 يناير من سنة2026 احتجاجاً على مشروع قانون مهنة المحاماة نقاشاً قانونياً عميقاً، تجاوز البعد المهني ليطرح أسئلة جوهرية حول حدود الاحتجاج ومدى مشروعيته ، واحترام النصوص القانونية المنظمة للمهنة خاصة المادة 39 من قانون مهنة المحاماة ، وضمان استمرارية مرفق العدالة.
سنعالج هذه الإشكالية وفق محورين الأول بعنوان العدالة مرفق عمومي حيوي يتماهى مع المادة 39 من قانون المحاماة والثاني الاحتجاج المهني بين المشروعية والمسؤولية.
المحور الأول: العدالة مرفق عمومي حيوي يتماهى مع المادة39 من قانون المحاماة
لا جدال في أن القضاء يشكل مرفقاً عمومياً حيويا بنص الدستور، يرتبط مباشرة بحقوق وحريات الأفراد والجماعات، وقد كرس الدستور الحق في التقاضي والمحاكمة العادلة داخل أجل معقول، وهو حق لا يتحقق في ظل تعطيل شامل للجلسات والإجراءات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعتقلين الاحتياطيين أو القضايا ذات الطابع الاستعجالي.
كما أن مبدأ استمرارية المرافق العمومية، المستنبطة من روح الفصل 154 من الدستور، يفرض على كل المتدخلين في منظومة العدالة، كلٌّ بحسب موقعه، ضمان الحد الأدنى من السير المنتظم لهذا المرفق، حتى في حالات التوتر أو الاحتجاج، زد على هذا أن المحامي مسؤول أمام موكله مسؤولية مدنية وأي إخلال بالتزامه مع موكله يستلزم التعويض وإرجاع الأتعاب التي اتفق الطرفان عليها فضلا عن الضرر الذي يمكن أن ينشأ عن الاخلال بحق الدفاع
ثم لا ننسى أن المادة 39 من قانون المحاماة تنص صراحة بشكل لا يحتمل التأويل
على “لا يجوز للمحامين في كل الأحوال أن يتفقوا، متواطئين فيما بينهم، على أن يتوقفوا كلياً عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.”
إن هذا المقتضى لا يترك مجالاً واسعاً للاجتهاد، لأنه يمنع بشكل مباشر التوقف الكلي الجماعي عن تقديم المساعدة القضائية، باعتباره سلوكاً يمس جوهر وظيفة الدفاع ويؤدي عملياً إلى تعطيل سير العدالة والإضرار بحقوق المتقاضين، غير أن المشرع هنا لم يرتب الجزاء القانوني في حالة مخالفة النص التشريعي فهل هي ثغرة تشريعية وجب الانتباه لها مستقبلا في التعديل الجديد؟
والحقيقة أن الأمر لا يتعلق الأمر هنا بتقييد حرية التعبير أو الاحتجاج، بل بتنظيمها داخل حدود تفرضها طبيعة المهنة ورسالتها، باعتبار أن المحامي ليس مجرد فاعل مهني، بل شريك أساسي في تحقيق العدالة.
المحور الثاني : الاحتجاج المهني بين المشروعية والمسؤولية
لا يمكن إنكار مشروعية مطالب السادة المحامين وحقهم في الاحتجاج دفاعاً عن استقلال المهنة وضمان شروط ممارستها. غير أن السؤال الجوهري ليس في حق المحامين الاحتجاج وممارسته وفق الشكل الذي يرغبون فيه؟
بل السؤال الحقيقي هو كيف يُمارس هذا الاحتجاج دون خرق للمادة 39 من قانون المحاماة أو تحميل المتقاضين كلفته والإضرار بحقوقهم خاصة في قضايا الاعتقال؟
وفي هذا السياق، يبرز نموذج بعض المهنيين ونقصد هنا إضرابات كتاب الضبط كمثال دال، وكذلك اضراب السادة العدول حيث سبق لهذه الفئة أن خاضت أشكالاً احتجاجية قوية، لكنها حرصت في المقابل على توفير الحد الأدنى من السير العادي للمرفق القضائي، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الاستعجالية والملفات الجنحية اعتقال .
وهو ما يعكس فهماً عملياً لمبدأ التوازن بين الدفاع عن المطالب المهنية واحترام استمرارية مرفق العدالة.
إن الاحتجاج حق مشروع لكن التوازن في ممارسته أمر هام حتى لا يكون هناك تعسف في ممارسة الحق ،خاصة أن مهنة الدفاع مهنة تقوم على التوزان بين الحقوق والواجبات والدفاع عن حقوق الناس بغض النظر عن تعارض المصالح .
خاتمة
إن الدفاع عن مهنة المحاماة واستقلاليتها يظل هدفاً مشروعاً، بل وضرورياً، غير أن هذا الدفاع يفقد جزءاً من قوته الأخلاقية والقانونية عندما يتم عبر آليات تتعارض مع نص قانوني صريح كالمادة 39 من قانون المحاماة، أو تمس بشكل مباشر بحقوق المتقاضين، وخاصة الفئات الهشة.
وعليه، فإن الأشكال الاحتجاجية التي تحترم الحد الأدنى من المساعدة القضائية، وتراعي وضعية المعتقلين والقضايا الاستعجالية، تظل أقرب إلى روح القانون والدستور، وأكثر انسجاماً مع رسالة المحاماة كرافعة للعدالة لا سبباً في تعطيلها.