وجهة نظر

الحقيقة في قفص الاتهام: هل ينقذ تعدد الأقطاب العالم من حروب التضليل؟

عندما خرج العالم من رماد الحرب العالمية الثانية عام 1945، وُلدت الأمم المتحدة كإطار لنظام دولي صاغه المنتصرون؛ نظامٌ بدأ ثنائياً ثم استقر لعقود في صورة أحادية القطب. غير أن العالم الذي نعيشه اليوم لم يعد امتداداً بسيطاً لذلك النظام. ففي العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، اهتزت التوازنات الكبرى، وانتقلت مراكز الثقل تدريجياً نحو الشرق والجنوب، وبرزت تكتلات جديدة—من بينها مجموعة بريكس—بوصفها مؤشراً على تحول عميق نحو عالم متعدد الأقطاب.

لكن هذا التحول لا يقتصر على إعادة توزيع القوة السياسية والاقتصادية؛ بل يكشف أيضاً عن معركة أكثر خفاءً وخطورة: المعركة على الحقيقة نفسها. ففي زمن الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يعد التضليل مجرد أداة دعائية هامشية، بل تحول إلى سلاح استراتيجي يُستخدم لتشويه الخصوم، والتأثير في الرأي العام العالمي، وتبرير السياسات العدوانية دون حاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. أصبحت المعلومة—لا الدبابة—في كثير من الأحيان أداة الحسم الأولى.

المشكلة أن النظام الدولي، بصيغته الحالية، يبدو عاجزاً عن التعامل مع هذا النوع من التهديدات. فلا القانون الدولي ولا منظومة الأمم المتحدة يمتلكان آليات فعالة ومحايدة للفصل في نزاعات الحقيقة أو لمحاسبة الدول حين تستخدم التضليل بشكل ممنهج. ونتيجة لهذا الفراغ، تحول الفضاء المعلوماتي العالمي إلى ساحة مفتوحة تتصارع فيها الروايات، وتُبنى المواقف السياسية على صور ومقاطع وادعاءات يصعب التحقق من صدقيتها، خصوصاً مع تطور أدوات التزييف العميق وقدرتها على إنتاج “وقائع” مقنعة شكلياً وخاوية مضموناً.

في هذا السياق، يُطرح التحول نحو عالم متعدد الأقطاب باعتباره فرصة لإعادة ضبط قواعد اللعبة الدولية، ليس فقط عبر إصلاح مؤسسات مثل مجلس الأمن أو توسيع التمثيل الدولي، بل أيضاً عبر إدراج حماية الحقيقة ضمن أولويات النظام العالمي الجديد. غير أن التعددية، في حد ذاتها، لا تشكل ضمانة أخلاقية تلقائية؛ فالقوى الصاعدة، كما القوى التقليدية، ليست بمنأى عن توظيف التضليل لخدمة مصالحها. والتحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال هيمنة قديمة بهيمنة جديدة، بل في تقليص قدرة الجميع، دون استثناء، على تحويل الكذب إلى أداة مشروعة للصراع.

من هنا تبرز الحاجة إلى تفكير جدي في آليات دولية جديدة، من بينها فكرة إنشاء هيئة مستقلة لتقصي الحقائق تنبثق من توافق دولي واسع، ولا تكون امتداداً لموازين القوى القائمة. هيئة تعتمد على تمثيل متوازن، وأدوات تقنية شفافة، وقواعد قانونية واضحة تُعرّف التضليل الرسمي الممنهج بوصفه تهديداً للأمن الجماعي. ورغم الطابع الطموح لمثل هذا التصور، فإن مجرد طرحه يعكس إدراكاً متزايداً بأن أدوات القرن العشرين لم تعد صالحة لضبط صراعات القرن الحادي والعشرين.

والمفارقة أن خطر التضليل قد يكون من القلائل القادرين على جمع الخصوم الكبار حول طاولة واحدة، من واشنطن إلى بكين، ومن موسكو إلى نيودلهي. فالجميع مهدد، والجميع معرض لأن يصبح ضحية لآلة تضليل عابرة للحدود، تفلت من السيطرة وتضرب في عمق الثقة الدولية. وفي عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، لا يمكن بناء استقرار حقيقي إذا ظلت الحقيقة نفسها بلا حماية.

خلاصة القول إن القانون الدولي، إذا أراد الحفاظ على معناه ووظيفته، مطالب بأن يتطور مع تطور التهديدات. فإما أن ينجح المجتمع الدولي في صون حد أدنى من الحقيقة المشتركة التي تشكل أساس التعايش والتنافس المشروع بين الأقطاب، أو سنجد أنفسنا غارقين في عالم تحكمه الأكاذيب المنظمة، حيث يصبح الصخب بديلاً عن الدليل، والقوة بديلاً عن الحقيقة.