صحيح أن مرارة خسارة لقب طال انتظاره كبيرة، وتحتاج وقتا لتندمل. لكنني متأكد أن في قلب هذه المحنة الكروية التي فاقمتها ضربة “حظ” أهدرت برعونة منحة يخبئها لنا القدر.
هذه المنحة تتجسد في مشهد خروج بعض “الجيران” بالآلاف إلى الشوارع ابتهاجا بخسارة جار كان ينافس بشرف على لقب في رياضة ترفيهية. وحين يفرح بخسارتك من اعتاد مراقبة نجاحك أكثر مما يفرح لأي شيء آخر، تتأكد أنك في الطريق الصحيح؛ لأن مجرد اقترابك من التتويج -ولو في لعبة- يوجعه.
وهنا يجب أن نعترف بمكامن النجاح والفشل في هذه البطولة.
النجاح المحسوم هو التنظيم بمستوى عالمي: البنية التحتية التي انبهر بها العالم، والصورة الجمالية التي سوقناها عن المملكة، والبرهان العملي على أن ما ظنه البعض “ذكاء اصطناعيا” لم يكن إلا ذكاء مغربيا متفردا.
فهل كان يُتصور أن ينجح “الكان” تنظيميا بهذا الشكل دون أن يتألم من جعلونا أعداء؟ لذلك كان طبيعيا أن تُفتَح جبهات أخرى للتغطية على هذا النجاح وإلهاء شعبه عن الدخول في المقارنات.
وهنا -للأسف- وقعنا في جزء من الفشل.
لقد صنع الجيران في بعض الاستوديوهات التي كنا نراها “سبيطار الحماق” سردية تقول إن البطولة “محسومة” وإن التحكيم “مُوجَّه”. وسريعا تحولت إلى حملة إعلامية ممتدة وصلت إلى بلدان عديدة في القارة، ووجدت فيها بعض الجهات –في الغالب مدفوعة الأجر منهم- ذريعة للهجوم على المغرب، رغم أن المنتخب المغربي بنتائجه وتطوره خلال السنوات الأخيرة (رابع المونديال الأخير وثامن العالم وثالث الأولمبياد وبطل العالم في الشباب) هو مرشح فوق العادة للتتويج بأي بطولة كروية سواء نُظمت على أرضه أو خارجها.
المؤلم أن هذه السرديات، حين تُكرر بكثافة وتُقدم في قالب عاطفي، تصبح قابلة للتصديق عند فئات واسعة من العوام، خصوصا مع ضعف الآلة الإعلامية المغربية في التصدي. وهكذا تحولت المباراة عند البعض من كرة تُلعب داخل الملعب إلى ضغط نفسي وإعلامي خارجه.
كما استُغلت هذه السردية من طرف اتحاد الكرة في السنغال، ونفذ مدربهم الخبيث ناكر الخير ضغطه في سياق النهائي بمنطق: “إما أن نربح في بلادك… أو نفسد عليك العرس”، وهو منطق مرفوض أخلاقيا قبل أن يكون مرفوضا رياضيا.
والأكثر إيلاما أن هذا حدث مع طرف تربطه بالمغرب علاقات وثيقة وتاريخ من حسن الاستقبال والمعاملة، ليتأكد مرة
أخرى أن منطق الكرة صار فوق منطق الدبلوماسية والسياسية..
ومع تصاعد الحسد والغيرة وذهنية “علاش انت واعر” و”مالك باغي تطير”، انخرط آخرون في ترويج هذه السرديات، فأصبحت خسارة منتخب المغرب بدل أن تُقرأ كخسارة رياضية واردة مناسبة للاحتفال وكأنها “عرس”.
ومع ذلك، في هذا جانب قوة للمغرب: ليس سهلا أن تُخرج من في قلوبهم غِلّ أو غيرة من “منطقة الراحة”؛ منطقة النفاق إلى المنطقة التي تظهر فيها حقيقتهم كاملة.
والآن يجب أن نستعد من اليوم. فما حصل في هذا “الكان” ليس إلا جزءا بسيطا مما ينتظرنا ونحن نقترب من تنظيم الحدث الرياضي الأكبر في العالم: مونديال 2030. هل نتوقع من خصوم النجاح ومن يضيقون بتقدمنا أن يهدؤوا؟ طبعا لا. ولنا في تجربة قطر، وما رافقها من انتقادات وحملات رغم جودة التنظيم، عبرة واضحة.
فلنستعد للمواجهة… لكن الأهم: فلنستخلص الدروس.
رياضيا (فقط)، يجب مراجعة طريقة تعاملنا مع بعض اتحادات الكرة في إفريقيا. الكرم المغربي جميل في الضيافة والعلاقات، وقد ينفع في ملفات السياسة والدبلوماسية لأن فيها “عطني نعطيك”، لكن في كرة القدم “تَيْضْسَّر عليك بنادم”، ويجب أن نتعلم من الأوروبيين: كيستقبلوك يعطونك الحد الأدنى، ولا ينتظرون منك الاعتراف، عجبك الحال معجبكش تْحَرَّكْ.
أيضا، يجب اتخاذ قرار: لا تنظيم لأي بطولة قارية في الكرة مستقبلا، والألقاب نبحثوا عنها في الأدغال، ورهاننا يجب أن يبقى دائما هو التظاهرات العالمية. المهم أن لا نتحول إلى ممون حفلات الكاف، لأن الجميع لا يستحقون.
كذلك يجب أن نتوقف عن منطق “فتح ملاعبنا مجانا” وإكرام من لا يملك بنية تحتية دون مقابل واضح أو عائد مباشر. ملاعبنا ومواردنا أولى بأن تخدم البطولة الاحترافية وتطوير أنديتنا ومنتخباتنا. من أراد ملعبا فليبنه. لسنا ملزمين بحل مشكل القارة.
كما ينبغي طرح سؤال صريح: ماذا ربحنا فعلا من التغلغل في الأجهزة القارية؟ ألم نربح فقط “التَّابْعَة” والنظر إلينا كنافذين، دون أن نكون نافذين حقا؟
هذا كله لا يتعارض مع انفتاحنا على إفريقيا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، لأنها عمقنا الاستراتيجي. وبعيدا عن خطابات الشعبوية التي تصدر عن كثيرين في لحظة غضب، نحن لسنا “جزيرة”، وقدرنا أننا في إفريقيا، لذلك يجب أن نستمر في التغلغل داخل القارة لأننا نربح دبلوماسيا واقتصاديا. لكن كرة القدم ومنطقها لا يخضعان لعلاقات الدول: دخل العب في التيران وربح مع بزاف ديال القباحة وبدون ظرافة ولا طيبوبة.
في الأخير، صحيح سنبقى حبيسي عام 1976 في لعبة (مجرد لعبة)، لكن الأهم أننا نعيش في كل المجالات عام 2026، وليتألم من بقوا حبيسي السبعينيات في كل المجالات.