وجهة نظر

بين مرآة النفس وسهام الاتهام

من بين الأحاديث النبوية الشريفة التي تستوقف العقل والضمير، وتضع الإنسان أمام مرآة نفسه، قولُ سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ (حديثٌ موجز في ألفاظه، عظيمٌ في معانيه، يصلح أن يكون قاعدة أخلاقية لبناء الفرد والمجتمع معًا.

ويعضد هذا المعنى ما رُوي عن حليم العرب الأحنف بن قيس، حين سأله رجل:(بِمَ سادك قومك – جعلوك رئيسا عليهم -، وأنت لستَ أشرفهم نسبًا، ولا أصبحهم وجهًا، ولا أحسنهم خلقًا؟ فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك، فخجل الرجل). وكذلك قول لقمان الحكيم حين سُئل: (أيُّ عملٍ أوثق لنفسك؟ فقال: *ترك ما لا يعنيني*). ويقول مالك بن دينار رحمه الله: (إذا رأيتَ قسوةً في قلبك، ووهَنًا في بدنك، وحرمانًا في رزقك، فاعلم أنك تكلمتَ فيما لا يعنيك).

هذه الحكم والمقولات، على اختلاف مصادرها، نجدها تلتقي عند حقيقة واحدة وهي: أن انشغال الإنسان بعيوب غيره، وتدخله فيما لا يعنيه، هو أصل كثير من الامراض والاضطرابات التي تعيق تطور المجتمعات.

وخلال الأيام الأخيرة، ومع النجاح الباهر الذي حققته المملكة المغربية في تنظيم التظاهرات القارية، برز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يُسارع كثير من الناس إلى إسقاط أخطائهم وإخفاقاتهم على الآخر أو على الزمن؟

ولتصحيح هذا الخلل، لا بد أولًا من مصارحة النفس دون تزييف، ثم إعادة النظر في سلوكياتنا وقناعاتنا التي تغيّر الكثير منها نحو الأسوأ، تحت تأثير ظروف دخيلة، جعلتنا ننسى قيمنا وثوابتنا. التي كانت في الامس القريب خطوط حمراء أو حدود أخلاقية واضحة عند البعض، فصار التبرير أسهل من الاعتراف، وإلقاء اللوم على الاخر أيسر من محاسبة ونقد الذات.

ومن بين أسباب هذا الانزلاق الأخلاقي: اللهاث وراء المادة والكرسي والمصلحة الشخصية والربح السريع وحب المظاهر والتباهي ولو بطرق غير مشروعة، حتى بالكذب على النفس والناس، لدرجة أن النصيحة لم نعد نتقبلها، وبرزت الأنانية فأصبح الإنسان لا يشبع، وكلما أُعطي طلب المزيد.

هذه السلوكيات التي تدفع صاحبها إلى خلق المبررات، وإلقاء اللوم على الآخر، دون أن يجرؤ على الاعتراف بأخطائه.

نعم، التغيير مطلوب وضروري، لكن بشرط أن يكون تغييرًا صادق الأهداف، نبيل الغايات، لا يمس القيم ولا يضرب الأخلاق في العمق، كما نشاهد اليوم في كثير من مظاهر التفاهة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي: سبٌّ وقذف، وانتهاك للأعراض، وترويج للروتين المخل بالحياء، وظهور ما يُسمَّون بـ«المؤثرين» الذين يسوقون الأكاذيب والوهم دون أدنى اعتبار، بحثًا فقط عن الربح السريع وارضاء الغير.

ولو تأملنا الطبيعة التي حولنا لوجدناها تقدم لنا درسًا بليغًا في نكران الذات: فالنهر لا يشرب من مائه، والبحر لا يأكل من سمكه، والشجرة لا تأكل من ثمارها، والشمس لا تشرق لنفسها. كل شيء خُلق ليخدم غيره. ولو كانت هذه المخلوقات أنانية كأنانية بعض البشر والمجتمعات، لما استمرت الحياة دقيقة واحدة.

ولذلك صدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا ………….وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغيرِ ذنبٍ………….ولو نطق الزمانُ لنا هجانا

فلماذا لا نعود إلى محاسبة أنفسنا بدل لعن الاخر دون مبرر؟ ولماذا لا نُصلح ذواتنا لنرى الدنيا ومجتمعاتنا أجمل؟ يقول الله تعالى في سورة الرعد اية11: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

إن من أكثر ما يفسد العلاقات ويقطع المودات هو إطلاق الأحكام المتسرعة ولأكاذيب دون معرفة الظروف والحقائق. مما يجعل هذا السلوك، للأسف، مادة خصبة تنتشر بكثرة في مجتمعاتنا العربية والإفريقية الإسلامية والتي تعد أكثر أمة حظيت بآيات وأحاديث ومقولات تحث على عدم الطعن والتدخل في شؤون الآخرين نظرا للحقوق الفردية التي كفلتها الشريعة الإسلامية قبل الشرائع الوضعية، ولكن للأسف فإننا اليوم نجدها أكثر الشعوب تشدقا وتدخلا في خصوصيات وتصرفات وتحركات وانجازات الآخرين ولو بالكذب. بينما نجد عكس ذلك عند الشعوب الغربية المتطورة حيث يسود فيها الاحترام والنقد البناء. هذا الأخير الذي كان من الأجدر أن تتميز به شعوبنا العربية والافريقية الاسلامية.

فالكلام فيما لا يعنينا والقاء اللوم عن الآخر دون مبرر يقسي القلوب، ويُوهِن الأبدان، ويُضيّع الأوقات، ويعسّر أسباب الرزق. وكثير ممن يشتكون ضيق الوقت، لو تركوا ما لا يعنيهم، لوجدوا من الوقت والجهد ما يكفي لإنجاز ما هو أنفع وأجدى لهم ولمجتمعاتهم وأوطانهم.

فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويلٌ لمن نسي عيبه وتفرغ في نقد غيره ولو بالأكاذيب. فلنكن عونًا لبعضنا، لا سببًا في تعاسة بعضنا البعض. وإن لم نستطع أن ننفع، فلنحرص على ألا نضر، ونرهق أنفسنا من أجل إرضاء الاخر، على حساب الطرف الاخر، ولنكسب فقط رضا الله وأنفسنا ونكن صادقين مع من حولنا.