تعلمنا من دروس الواقع والممارسة الميدانية أن الصحافة الجادة والمسؤولة لا تكمن في مجرد نقل الخبر ونشره، متوسلة في ذلك بوسائط متنوعة، سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؛ بل تتجاوز حدود نعتها بالمهنة التي يتقاضى عنها الصحافي أجراً أو “حوالة شهرية”. إن الصحافة -بالمفهوم “الكانطي”- هي واجب أخلاقي، وممارسة صادقة، والتزام بشرف المهنة، ونصرة للمظلوم، وتحلٍ بالموضوعية. وحسب “ألكسيس دو توكفيل” (Alexis de Tocqueville)، فإن الصحافة هي الضامن للحقوق من أي انتهاك، والمراقب لكل تجاوز تقترفه الدولة؛ والقصد من ذلك ترسيخ أسس الديمقراطية والنهوض بالمجتمع نحو بناء ديمقراطية لا تقوم على “مركزية الدولة” وترفض سلطة “استبداد الأغلبية”، إذ لا نجد الحماية للأقلية إلا في صحافة جادة تحمي الحقوق من طغيان الكثرة.
لا أريد الاسترسال في الحديث عن الصحافة بين النظرية والممارسة، ولا التطرق بالتفصيل إلى أخلاقيات المهنة وأطرها القانونية، لكن يهمني من هذه المقدمة توضيح أمرين أساسيين:
أولاً: مكانة الصحافة والغاية من وجودها داخل المجتمع؛ فهي ليست مجرد سباق محموم نحو “السبق الإخباري”، بل هي فعل أخلاقي محكوم بقيم مهنية وتعاقد مقدس يقوم على احترام القارئ والدفاع عن حقه في تلقي الخبر بكل حرية ومسؤولية.
ثانياً: ما تعيشه بعض الوجوه الإعلامية من بؤس أخلاقي، وما باتت تمارسه من “جرائم رمزية” في حق أصوات حرة تنتقد بأدب وتمارس حقها في المعارضة السياسية والحقوقية. إن خروج بعض “الشخصيات الإعلامية” المنتمية لمؤسسات رسمية بغرض التشهير، وامتشاق سيف “القتل الرمزي” لرموز وطنية كان الواجب الاحتفاء بها -أمثال علي أنوزلا، و بوعشرين، والراضي، والريسوني، ومكونات “هـيـئـة مـسـانـدة مـعـتـقـلـي الـرأي” (همم)، والجبهة المغربية- هو سقوط أخلاقي مريع.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم حسن بناجح؛ الذي يُنظر إليه كرجل المبادرات الذي يشتغل بشكل متواصل على لمّ مختلف الحساسيات تحت مظلة جامعة تعمل على تذويب جميع الإختلافات والإديولوجيات، وقد شاهد العالم حركته الميدانية وتنقله بين المدن لاستقبال المفرج عنهم من السجون والاطمئنان على عوائلهم. وللأسف، بدلاً من تقدير هذا الجهد، قُوبل بالتشويه ومحاولة قتل رمزيته عبر “الآلة المخزنية” وخدام القهر وأعداء حرية التعبير، من خلال مصادرة حقه في الرأي ومنعه من الفضاءات العمومية.
إن ما يتعرض له حسن بناجح من استهداف ممنهج -ولعل سُعار الحاقدين قد ارتفع منسوبه خلال السنتين الأخيرتين- إنما هو لكون الرجل يمثل نموذجاً للمناضل العضوي الذي لا يساوم على قناعاته التي تربى عليها في مشتل “العدل والكرامة”. لم يكن استهدافه اختياراً عبثياً، بل هو استهداف لشعلة مضيئة في تاريخ الحركة الحقوقية المغربية. وما يثير الاستغراب هو خرجة ذلك “الصحافي” الذي توسل بالذكاء الاصطناعي لصناعة شهادة زور وفبركة صورة، في محاولة لإسكات هذا الصوت المزعج، وتقديم عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لقمة سائغة للمؤسسات المخزنية؛ بغرض طي ملف أرقَّ أعداء الاستبداد في هذا البلد الذي يتعرض لأبشع صور مسح الذاكرة.
أمام هذه الردة الحقوقية، يجب على جميع الحقوقيين التعامل مع هذه الرسالة بكونها لم تعد مشفرة؛ فهي لا تستهدف بناجح وحده، بل تستهدف كل من يحمل مشروعاً حقوقياً في المغرب. وعلينا ألا نستنسخ تجارب الفشل التي وقعت خلال “الربيع العربي”، حين بدأ “المفترس” بتقسيم نسيج الحركة النضالية ليستفرد بالخصوم واحداً تلو الآخر، عبر تهم ملفقة ومحاكمات صورية تخدم أجندات تهدف لتجريف الساحة من كل صوت رافض للتغول الإمبريالي والفساد المحلي. لذا، وجب فتح نقاش جاد لمواجهة هذا التغول المدمر، وتحرير المشهد السياسي من قيود “المخزن” وأدواته الإعلامية التي تسيء لمطالب “السلطة الرابعة” وتعيق دورها الرقابي المستقل.”
صفوة القول؛ ما يعيشه الأستاذ حسن بناجح من استهداف مقصود و مخطط له، و اخرها خرجة صحافي القناة الأولى التي تعمد نشر صورة مفبركة موظفا فيها تقنية الذكاء الإصطناعي لعمري سقطة مدوية ومحاولة شريرة، غرضها القتل المعنوي لرمز من الرموز الحقوقية المضيئة في سماء العتمة التي تحتاج إليها جميع الحساسيات السياسة و الجمعوية و الفرقاء داخل هذا الوطن.
إن من يعمل على “إسكات الأصوات المزعجة” يسعى إلى إغتيال الحقيقة و تطور الوطن الذي لا يمكنه أن يسير خطوات إلى الأمام إلا بفعل النقد و التوجيه، وأن المعركة من أجل الدفاع عن الحق في التعبير ليست معركة بناجح أو ضد شخص بعينه، بل هي محاولة لتجفيف منابع الفعل الحقوقي المشترك و ممارسة سلطة الوصاية على العقل المغربي و مصادرة حقه التعبير عن غضبه أو معارضته السياسية بكل أدب ومسؤولية. مع واجب التأكيد على أن الصحافة فعل إنساني وواجب أخلاقي و ليست أداة للتشهير والاسترزاق على حساب كرامة وأعراض الناس.