منتدى العمق

إعادة توحيد اليسار بين الحقيقة والوهم

عاد النقاش السياسي في المغرب، خلال الآونة الأخيرة، إلى الواجهة حول فكرة توحيد اليسار، وذلك انطلاقًا من المبادرة التي طرحها حزب التقدم والاشتراكية، في سياق سياسي يتسم بتراجع حضور اليسار داخل المشهد الحزبي، وانحسار تأثيره داخل المجتمع، مقابل صعود قوى سياسية أخرى استطاعت أن تملأ الفراغ الاجتماعي والخطابي.

غير أن هذا النقاش، ورغم ما يحمله من شحنة رمزية وتاريخية، سرعان ما اصطدم بجملة من الإشكالات البنيوية والفكرية والتنظيمية، التي تجعل من فكرة توحيد اليسار أقرب إلى الوهم السياسي منها إلى مشروع واقعي قابل للتحقق على المدى القريب.

ترى العديد من القيادات اليسارية أن مشروع التوحيد يصطدم، في المقام الأول، بإشكالية التمثيل والشرعية؛ إذ يكاد كل حزب يساري ينصب نفسه باعتباره “اليسار الحقيقي” و”البديل المنتظر”، ويُحمّل باقي المكونات مسؤولية الفشل التاريخي، سواء من خلال المشاركة في المؤسسات أو من خلال العزلة السياسية. هذا المنطق الإقصائي، الذي يتغذى من إرث طويل من الانشقاقات والصراعات الداخلية، يجعل من بناء الثقة المتبادلة بين مكونات اليسار أمرًا بالغ الصعوبة.

كما يرى العديد من الفاعلين أن مبادرة حزب التقدم والاشتراكية، رغم ما تحمله من خطاب وحدوي، لا تخرج في جوهرها عن كونها تحالفًا انتخابيًا ظرفيًا، هدفه الأساسي هو تجاوز عتبة التمثيلية البرلمانية وتحسين الموقع التفاوضي داخل الخريطة السياسية، أكثر من كونه مشروعًا استراتيجيًا لإعادة بناء اليسار فكريًا وتنظيميًا واجتماعيًا.

ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث جدي عن تحالف أو توحيد لأحزاب اليسار لا ينبغي أن يقتصر على الانتخابات باعتبارها لحظة عابرة، بل يجب أن يمتد ليشمل النضال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والانخراط الفعلي في قضايا الشغل، والتعليم، والصحة، والسكن، والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن الحريات الفردية والجماعية. فبدون حضور ميداني حقيقي وسط الفئات الشعبية، سيظل اليسار حبيس البيانات والندوات والنقاشات النخبوية.

إن التخوف الأكبر الذي يرافق فكرة توحيد اليسار يتمثل في كونها مجرد مرحلة تكتيكية مرتبطة بسياق الانتخابات المقبلة، سرعان ما تتلاشى بانتهائها، لتعود الخلافات القديمة إلى الواجهة. ولعل التجربة الفرنسية تشكل مثالًا دالًا في هذا السياق؛ إذ دخلت أحزاب اليسار في فرنسا في تحالف انتخابي خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة تحت إطار جامع، غير أن هذا التحالف سرعان ما عرف تصدعات وانقسامات بعد الاستحقاق، نتيجة تضارب الرؤى والبرامج واختلاف الحسابات السياسية، كما وقع مع تحالف الجبهة الشعبية الجديدة.

ورغم كل هذه الإكراهات، تبقى فكرة توحيد اليسار إيجابية من حيث المبدأ، حتى وإن كانت ظرفية. فهي تعكس، في حد ذاتها، وعيًا جماعيًا بعمق الأزمة التي يعيشها اليسار المغربي، وبحجم التراجع القاعدي الذي تعاني منه مكوناته داخل المجتمع، خاصة كل من حزب التقدم والاشتراكية، وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد .

وقد تشكل هذه المبادرة، إذا ما أُحسن تدبيرها، فرصة لإعادة فتح نقاش فكري عميق حول مشروع اليسار، وهويته، وخطابه، وأدوات اشتغاله، وعلاقته بالمجتمع والدولة. كما يمكن أن تساهم في تجميع ما تبقى من الرأسمال الرمزي والتاريخي لليسار، وإعادة تقديمه بشكل أكثر واقعية وجرأة، بعيدًا عن الشعارات الكلاسيكية التي فقدت قدرتها على التعبئة.

في الأخير يظل توحيد اليسار معلقًا بين حقيقة الحاجة الموضوعية إليه ووهم تحقيقه السريع. فبدون نقد ذاتي شجاع، وتجاوز منطق الزعامة، وبناء مشروع مجتمعي واضح ومقنع، سيظل الحديث عن التوحيد مجرد عنوان جذاب، يطفو مع كل استحقاق انتخابي، ثم يغرق في بحر الخلافات القديمة فور انتهاء اللحظة السياسية.