في غسق ليلة ممطرة باردة جدا، خطرت على بالي أفكار حول الذات وعلاقتها الجدلية بالعقل في رحلة القلب، وبينما أنا أحبرها في مذكرتي الصغيرة بجانب وسادتي، خلسة نفذ مداد قلمي اليتيم، شعرت لحظتها بالقلق والإرتباك، الأفكار لما تأتيك إذا لم تدونها لحظتها طازجة، لن تطاوعك مرة ثانية، قفزت من فراشي بحثث طويلا لعلني أعثر على قلم آخر أو قلم رصاص أو حتى جزء من الطبشور، لكن محاولاتي باءت بالفشل، فاتجهت صوب الحاسوب لأكمل هذا النص الذي سقط سهوا في هذه اللحظات المتأخرة من الليل والشتاء خيطا من السماء، بيد أن بطاريته هي الأخرى نفذت، كان المنقذ لوحتي الإلكترونية المهملة في الرفوف مع كتب لم يأتي الوقت بعد لسبر أغوارها، فوجدت صعوبة كبيرة في الاستمرار، بياض الورقة يغريني، لكن ضوء الشاشة لا يطاوعني، بالكاد كتبت جملا قليلة فتوقفت، قلم مفقود، وفكرة موؤودة، كما هي الأفكار العظيمة في تاريخ الإنسان، تموت دائما في المهد، بدا لي المخاض تحول إلى ولادة قيصرية ورأسي كخلية نحل كادت تنفجر، فقلت في نفسي قد تحرم الإنسان من الخبز ، من الماء، من الغطاء، من الحب، من المال، من كل شئ، قد يستطيع التحمل، لكن أن تحرمه من تدوين أفكاره سيصاب بالجنون، أقسى أنواع العذاب هو الحرمان من القلم والورقة ،عدت إلى سريري وأنا أتأمل سقف البيت، شرد ذهني وطار النوم من جفوني ، حقا شتان بين القلم الذي يضج مدادا، وحروف صامتة تخترق شاشة جامدة لاروح فيها، رائحة المداد لها نكهة خاصة لا تعوض، تشبه رائحة الحناء التي لها امتدادات في تجاويف الذاكرة البعيدة جدا، في خرائط الذاكرة الموشومة، هناك، حيث الشحرورة الصغيرة التي قتلت تغاريدها الجميلة التي تشبه موسيقى موزار الأقرب إلى قلبي، دون سابق انذار،ويبقى للحكاية بقية كي لايجف المداد……