أستهل مقالتي هذه المرة بشجبي وتنديدي واستنكاري ملء فمي لما تعرضتْ له الشابة شيماء من طرف “الطلبة” المنتمين إلى فصيل النهج الديموقراطي القاعدي (البرنامج المرحلي) داخل أسوار جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم بمكناس، من حلق لشعر الرأس والحاجبين بعد أن حاكموها محاكمة جماهيرية يوم الثلاثاء 17 ماي 2016 لَمّا اتهموها بالتجسس عليهم ومدها فصيل الحركة الثقافية الأمازيغية لشريط يخص الرفاق.
مهما يكن الجرم الذي اقترفته شيماء في حق القاعديين، ومهما يكن الذنب الذي ارتكبته لغير صالحهم، لا تستحق بسببه كل هذا التصرف اللاأخلاقي واللاإنساني الذي لا يمت للقيم الإنسانية بصلة، ولا علاقة له بالمبادئ التي يتبجح بها أتباع ماركس. فتشويه طالب أو طالبة أو فرد كيفما كانت لغته أو بشرته أو جنسه بدعوى محاكمة جماهيرية لا يمت للعلم بصلة، ويدخل ضمن خانة الجرائم التي يعاقب عليها القانون بأقصى العقوبات، وينبغي محاكمة كل المتورطين في هذا العمل الذي تقشعر له الأبدان ليكونوا عبرة.
إن مثل هذه المحاكمات الجماهيرية التي تعيش على إيقاعها أغلب الجامعات المغربية من حين إلى آخر تعد من أسوأ ما عرفته الحركة الطلابية منذ بروز الفصائل على أرض الجامعات المغربية، بل وتكاد لا تختلف عن القصاص الذي نسمع عنه في الأسواق الأسبوعية في شيء، حيث إن الفرق يكمن في أن أبطال القصاص عبارة عن أميين من بائعي المواشي والفواكه والخضر وغيرهم كثير ويُعذرون رغم أن المرء لا يُعذر بجهله للقانون… في حين أن المحاكمة الجماهيرية ينفذها طلبة لهم من العلم ما يغنيهم عن مثل هذه السلوكات المشينة التي تضرب بعرض الحائط أهداف وغايات الجامعات المغربية التعليمية-التعلمية.
ليست هذه أول مرة تقع فيها محاكمة جماهيرية داخل أسوار الجامعات المغربية، لكن قد تكون أول مرة تحاكم فيها فتاة لا صلة لها بالأقسام والمدرجات الجامعية، لأن الأمر هنا مرتبط بفتاة تشتغل حسب تصريحها لأحد المواقع الإلكترونية، في مقصف كلية العلوم بمكناس أملا في جني قوتها اليومي، وطلبا لدراهم تقيها وأسرتها قساوة الحياة، هذا معناه أن المحاكمة الجماهيرية لا تقتصر على الطلبة فحسب، بل قد تشمل الأساتذة والموظفين في المقبل من السنوات، وبالتالي تكون المحاكمة قد انزاحت هذه المرة عما سمعنا عنه في السابق لَمّا يحاكم فصيل طلابي أحد أفراد فصيل آخر غريم طُرد من الجامعة قسرا بعد مواجهات دامية تُستخدم فيها شتى أنواع السيوف والهراوات والسواطير.
ويرجع الفضل الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي في نشر وبث خبر حلق شعر وحاجب الشابة شيماء ليصل إلى علم الرأي العام، بل إن رواد هذه المواقع ينددون كلهم بمثل هذه السلوكات ويرفضون تكرارها، وكتبوا تدوينات وتغريدات وهاشتاكات يعلنون فيها تضامنهم مع شمياء وتعاطفهم معها، بل منهم من عَّوض شعار النهج الديموقراطي القاعدي بالمشط والمقص بدل المطرقة والمنجل تعبيرا منهم عن غضبهم عما اقترفه القاعديون في حق شيماء، زد على ذلك أن بعض الوزراء أدلو بدلوهم في القضية معلنين رفضهم لهذا التصرف الذي ينم عن جهل وأمية المشاركين.. كل الهيئات عبرت عن استنكارها للحادث باستثناء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي لم تصدر بيانا إلا يوم 21 ماي 2016 تحت ذريعة أنها كانت تتقصى الخبر وتجمع المعطيات اللازمة.
لقد وُجهت انتقادات لاذعة إلى مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لأنها لم تصدر بيانها في الوقت المناسب، وعوتبت لصمتها المطبق الذي تحول إلى وصمة عار في جبينها، لأن جل إن لم نقل كل أعضائها هم يساريون، بل إنهم بلعوا ألسنتهم في الوقت الذي من المفروض عليهم أن يحرروا بلاغا حفاظا على ماء الوجه على الشكل التالي: “نحن أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نتأسف لما وقع للشابة شيماء داخل أسوار كلية العلوم بمكناس، وإذ نعلن كل تضامننا المبدئي واللامشروط معها، ونؤكد أن من اقترفوا هذه الجريمة الشنعاء لا صلة لهم باليسار ولا يمثلونه…”.
وعليه، فلتحمد شيماء الله وتشكره ما لم تبتر يدها، وما لم تفقأ عينها، وما لم تستخدم الكرسي المتنقل للتحرك، لأن بعض “ليكاماراد” قادرون على ارتكاب أفظع الجرائم بأبشع الوسائل المتاحة، ويؤمنون بالعنف حد القتل.. وبجرائمهم هاته، يكونون قد ابتعدوا عن خصال الحوار الهادئ والفكر الرصين والنقاش الهادف والنقد البناء وحرية التعبير والرأي والرأي الآخر التي يتخذونها شعارا لهم في كل حلقية من تنظيمهم.
وفي الأخير، أعلن تضامني مع الشابة شيماء، وآمل أن يحاكم القضاء الجناة بأقصى العقوبات الممكنة حتى لا يتكرر نفس المشهد الذي لم يعاينه إلا مع حضروه داخل أسوار الجامعة، إذ ولا شريط فيديو وحيد يوثق لحظة حلق شعر وحاجبي الضحية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن “الرفاق” في تلك الأثناء كانوا أكثر بطشا ومدججين بالأسلحة الفتاكة التي حالت دون أن يستطيع ولا طالب واحد تصوير الواقعة بعدسة هاتفه الذكي، فبالأحرى إنقاذ شيماء.