لم تكن حلقة برنامج” ساعة الصراحة” مجرد نقاش سياسي عابر، بل كانت اختبارًا علنيًا لقدرة النخب السياسية الشابة في المغرب على إقناع جمهور لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن وضوح في الخطاب وقدرة على التأثير.
في مواجهة جمعت بين تجربة سياسية متراكمة يمثلها نبيل بنعبد الله، وحضور شاب يسعى لإثبات ذاته داخل المشهد الحزبي، لم يكن الفارق فقط في السن أو التجربة، بل في القدرة على التحكم في الخطاب، وإدارة النقاش، وصناعة التأثير أمام جمهور واسع ومتفاعل.
الضجة التي أعقبت هذه الحلقة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، لم تكن موجهة فقط لأداء فردي، بل كشفت عن توتر أعمق يتعلق بعلاقة النخب السياسية الشابة بفضاء عمومي جديد، تحكمه قواعد مختلفة عن تلك التي نشأت فيها الأحزاب التقليدية.
من السياسة إلى التواصل: تحول قواعد اللعبة
ما كشفت عنه هذه اللحظة الإعلامية هو أن السياسة لم تعد فقط صراع برامج أو مواقف، بل أصبحت—إلى حد كبير—صراعًا في التواصل. ففي زمن الإعلام التقليدي، كان يكفي السياسي أن يمتلك خطابًا أيديولوجيًا متماسكًا، أما اليوم، فإن القدرة على تبسيط الفكرة، والتحكم في الإيقاع، ومخاطبة الجمهور بلغة واضحة، أصبحت عناصر حاسمة في تحديد من يقنع ومن يفشل.
وفي هذا السياق، تؤكد مقاربات علوم التواصل أن الانتقال من “خطاب النخبة” إلى “خطاب الجمهور” فرض على الفاعلين السياسيين تطوير أدوات جديدة، حيث لم يعد المتلقي مستمعًا سلبيًا، بل أصبح فاعلًا يقيّم الأداء ويعيد إنتاجه عبر الفضاء الرقمي.
أزمة شباب أم أزمة إنتاج النخب؟
قد يبدو من السهل اختزال ما حدث في ضعف أداء شاب سياسي، لكن هذا التفسير يظل قاصرًا. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يعاني الشباب من ضعف؟ بل: هل تعاني الأحزاب من ضعف في إنتاج نخب قادرة على التواصل؟
بعبارة أكثر وضوحًا:
المشكلة في المغرب ليست في غياب الشباب داخل السياسة، بل في غياب “سياسيين شباب” قادرين على التأثير.
هذا يطرح إشكالًا بنيويًا يتعلق بقدرة الأحزاب على:
تكوين كوادر سياسية
تدريبها على التواصل
إعدادها لمواجهة الفضاء الإعلامي الجديد
أم أنها لا تزال تنتج “مناضلين” بمنطق داخلي، دون تأهيلهم ليكونوا فاعلين في المجال العمومي.
بين الشرعية التنظيمية والكفاءة التواصلية
تكشف هذه اللحظات الإعلامية عن فجوة واضحة بين نوعين من الشرعية:
شرعية تنظيمية يكتسبها الشاب داخل الحزب
وشرعية تواصلية يكتسبها أمام الجمهور
والمشكل أن الأولى لا تضمن الثانية.
فالسياسي اليوم لا يُقاس فقط بموقعه داخل التنظيم، بل بقدرته على:
بناء الحجة
إدارة النقاش
التحكم في حضوره الإعلامي
وهي عناصر أصبحت جزءًا من ما يمكن تسميته بـ“رأس المال السياسي الجديد”، حيث تتقاطع السياسة مع التواصل بشكل غير مسبوق.
الإعلام كفضاء اختبار للنخب
لم يعد الإعلام مجرد وسيط لنقل الخطاب السياسي، بل أصبح فضاءً لاختبار النخب. وهو ما يجعل كل ظهور إعلامي بمثابة لحظة تقييم علني لقدرة الفاعل السياسي على الإقناع.
وهذا يضع الأحزاب أمام تحدٍ حقيقي:
إما أن تطور أدواتها في تكوين نخب قادرة على التفاعل مع هذا التحول، أو تترك المجال لفاعلين جدد أكثر قدرة على التكيف مع منطق العصر.
ما كشفت عنه حلقة الأولى من برنامج “ساعة الصراحة” لا يمكن اختزاله في تقييم أداء فرد، بل هو مؤشر على تحول أعمق في طبيعة الفعل السياسي بالمغرب.
فالسؤال اليوم لم يعد: هل نملك نخبًا شابة؟
بل: هل نملك نخبًا شابة قادرة على مخاطبة مغرب يتغير بسرعة؟