وجهة نظر

العلاقات المغربية المصرية بين التوتر السياسي والمنافسة الاقتصادية

حظي اجتماع أول لجنة للتنسيق والمتابعة المغربية المصرية المنعقدة بالقاهرة يومي 6 و7 أبريل 2026 باهتمام خاص من طرف المتتبعين ليس فقط لطبيعة السياق الجيوسياسي الذي تنعقد فيه والمرتبط بتداعيات الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، ولا بطبيعة التأرجح الذي اتسمت به علاقات قوتين اقليميتين بشمال افريقيا نتيجة إرث توتر سياسي خيم على العلاقات الدبلوماسية للبلدين منذ سيتينيات القرن الماضي وتنافس اقتصادي شاب العلاقات الثنائية لدولتين يتميزان بعمق تاريخي ضارب في القدم، وزخم تجاري و ثقافي وبشري امتد لعدة قرون.

تراكم التوتر السياسي بين البلدين

من الملفت للنظر أن انعقاد أول اجتماع للجنة التنسيق والمتابعة بين البلدين قد أتى بعد تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة المصرية المغربية التي كان من المقرر عقدها يوم الأربعاء 11 فبراير2026 في القاهرة. حيث تم الإعلان رسمياً عن انعقادها عقب مكالمة هاتفية ثانية جرت في نهاية يناير 2026 بين وزيري خارجية البلدين، ناصر بوريطة وبدر عبد العاطي. وقد أثار تأجيل اجتماع هذه اللجنة العليا إلى أجل غير مسمى، تساؤلات حول إكراهات الأجندة التي تمت إثارتها وكذا حول المناخ الحقيقي للعلاقات بين الرباط والقاهرة. إذ لا تزال بعض الأوساط المصرية تنظر بتحفظ إلى اتفاقية التعاون العسكري المبرمة يوم 17 يونيو 2025 بين الرباط فقد أتى تأجيل هذا الاجتماع بعد أقل من شهر من اجتماع اللجنة العسكرية المغربية الإثيوبية المشتركة. في حين يشار إلى أن من بين أسباب هذا التأجيل دعم مصر للمرشحة الجزائرية سلمى مليكة حدادي في انتخابات فبراير 2025 لمنصب نائب رئيس الاتحاد الإفريقي، في مواجهة لطيفة أخرباش المغربية، كما فسر هذا والمتمثل في تصريحات لمسؤولين وخبراء مصريين، أكدت على دعم مصر بقيادة جمال عبد الناصر عسكرياً للجزائر في “حرب الرمال” عام 1963 ضد المغرب، وذلك عبر إرسال مستشارين، وأسلحة، وطائرات. فقد ذكر اللواء المصري حسام سويلم أن عبد الناصر انحاز للجزائر ضد المغرب بسبب معاداته للنظم الملكية، مشيراً إلى أن الدعم لم يكن بإرسال جيوش كبيرة، بل كان يتركز في مستشارين عسكريين وإمدادات أسلحة في توقيت انشغال مصر بحرب اليمن. غير أن بعض المحللين أشاروا بشكل خاص إلى أن من وراء تأجيل اجتماع هذه اللجنة تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي أشاد، خلال حوار تلفزيوني أجراه يوم السبت 7 فبراير 2026، بمشاركة القوات العسكرية المصرية إلى جانب الجزائر في حرب الرمال عام 1963 ضد المغرب. ليرد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هذه التصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا «عمق العلاقات التاريخية بين مصر والجزائر» ومشددا على «التضامن بين البلدين في مواجهة التحديات المشتركة». لتعكس هذه التصريحات الظلال السياسية التي خيمت على العلاقات السياسية و الدبلوماسية بين البلدين طيلة خمسة عقود . إذ أن الدعم العسكري المقدم للنظام الجزائري من طرف نظام عبد الناصر العسكري، انطلاقا من اعتبارات أيديولوجية تقوم على التحرر من الاستعمار وإسقاط الملكيات الرجعية في المنطقة العربية بما فيها الملكية بالمغرب، في سياق صراع حدودي بين المغرب والجزائر بعد استقلال الأخيرة، تسبب في توتر طويل في علاقات القاهرة والرباط، خاصة وأن الانتصار العسكري للجيش المغربي في هذه الحرب على الجيش الجزائري كانت ضربة سياسية موجهة بشكل غير مباشر لنظام عبد الناصر الذي كان يسعى لترسيخ زعامته السياسية في المنطقة العربية . فأسر ضباط مصريين، من بينهم حسني مبارك الرئيس السابق لمصر، بواسطة سكان محليين في أرفود ثم تسليمهم للقوات المغربية. شكل جرحا سياسيا في علاقات الدولتين . إذ على الرغم من إبداء السلطات المغربية لحسن نواياها السياسية اتجاه النظام المصري من خلال إطلاق الملك الحسن الثاني سراح الأسرى المصريين وتسليمهم للرئيس السادات في قمة عربية، فقد بقي موقف القيادة العسكرية المصرية متذبذبا اتجاه المملكة، حيث ظهر ذلك في موقفها الغامض من قضية الصحراء. إذ ظل الموقف المصري يراوح بين الدعم الدبلوماسي وحرصها على الحياد النسبي حفاظاً على علاقتها مع الجزائر. لكن يبدو أنه بعد سنوات من الغموض أو الموقف الرمادي، بدأ الموقف المصري يميل تدريجياً نحو المغرب خاصة مع تطور علاقات الرباط مع حلفاء مصر الخليجيين، ومع ذلك، لم تصل القاهرة حد الاعتراف الصريح والعلني بسيادة المغرب على الصحراء كما فعلت دول عربية أخرى، وظلت تعتمد عبارات دبلوماسية متوازنة في كثير من الأحيان . لكن يبدو أن هناك عدة متغيرات جيو سياسية لعبت دورا أساسيا في تحول الموقف المصري اتجاه قضية الصحراء . فقد أظهرت مصر خلال انعقاد لجنة التنسيق والمتابعة تطوراً إيجابياً بدعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واصفة إياه بالحل الأكثر جدية، ومؤكدة دعمها الوحدة الترابية للمملكة المغربية وتأييد قرارات مجلس الأمن خاصة القرار 2797 الذي يؤكد على مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ووحيد في إطار إي تسوية سياسية لنزاع عمر أكثر من نصف قرن. كما يمكن أن نرجع هذا التطور الذي يكرس دعم القاهرة لخارطة الطريق الأممية إلى عدة عوامل من بينها الورقة الاثيوبية التي يمتلكها المغرب من خلال التقارب السياسي والاقتصادي بين المغرب وأثيوبيا التي تحتضن مقر الاتحاد الافريقي وتشكل أحد القوى الإقليمية في منطقة القرن الافريقي . كما يرجع ذلك أيضا إلى اقتناع القيادة المصرية بأن المغرب ليست له أطماع أو مصالح بليبيا رغم احتضانه لمؤتمري الصخيرات وبوزنيقة . إلى جانب ذلك يرى بعض المحللين أن هذا التطور النوعي في الموقف المصري مدفوع برفض تفتيت الدول العربية والحفاظ على الأمن القومي العربي، مع محاولة الموازنة في علاقاتها المغاربية.

حدة المنافسة الاقتصادية بين البلدين

إن تقارب الهياكل الإنتاجية للاقتصادات التركية والمصرية والمغربية جعلها تشترك في التنافس على أسواق التصدير الأوروبية والأفريقية في مجالات النسيج، الجلود، الخضروات، الفواكه، والسيارات مستفيدة من القرب الجغرافي لأوروبا وانخفاض تكاليف الإنتاج. فبينما يركز المغرب على صناعات ذات قيمة مضافة (سيارات، طيران)، تتميز مصر بالاعتماد على الغاز، و مداخيل قناة السويس، و التوفر على لسوق استهلاكية ضخمة، مع توجه نحو التكامل الصناعي بينها وبين تركيا. وقد استفادت تركيا من اتفاقية التبادل الحر المبرمة مع المغرب لكي تحقق مكاسب اقتصادية في الوقت الذي عانى فيه المغرب من عجز تجاري واستثماري جعله يمارس ضغوطا لاعادة النظر في تطبيق بنود هذه الاتفاقية والمطالبة بمراجعتها بسبب العجز التجاري. وعلى نفس المنوال، عانى الميزان التجاري بين المغرب ومصر من عجز بنيوي مزمن لصالح القاهرة، حيث تجاوز 880 مليون دولار عام 2023، بسبب انخفاض الصادرات المغربية مقابل ارتفاع الواردات المصرية، وذلك بسبب فرض السلطات المصرية قيوداً غير جمركية فنية وإدارية على الصادرات المغربية. وقد زاد العجز التجاري لغير صالح المغرب بعدما شهدت الصادرات المصرية للمغرب نمواً بنسبة 22.5% في سنة 2024 لتصل إلى 896.5 مليون دولار. حيث أرجعت السلطات المغربية أسباب هذا العجز إلى العوائق التي تواجه الصادرات المغربية والمتمثلة في تعقيدات الإجراءات الجمركية والتعشير داخل مصر. بالاضافة إلى رسوم تفرضها مصر على بعض المنتجات، مثل السيارات المصنعة في طنجة، مما يقلل من تنافسيتها. في حين ترى السلطات المصرية أن أسباب هذا العجز ترجع إلى فرض المغرب رسوم إغراق وحماية على بعض المنتجات المصرية، تصل إلى 35% على السجاد و30% على النسيج والطماطم المعلبة. وبالتالي، فلإنهاء هذه الحرب التجارية بين البلدين، اتفق الجانبان خلال اجتماع لجنة التنسيق والمتابعة على تبسيط الإجراءات و تقليل القيود في معاملاتهما التجارية، والتأكيد على أهمية العمل المشترك لتطوير السياسات التجارية المنظمة لحركة التبادل بين البلدين، بما يسهم في تحسين ميزان التجارة الثنائية، ويحقق الاستفادة المثلى من الإمكانات الاقتصادية المتاحة لدى كل من مصر والمغرب بالإضافة إلى العمل على مسار سريع لزيادة مرونة القواعد المنظمة للتجارة بين البلدين، بما يسهم في تيسير الإجراءات وتقليل القيود التي قد تعوق انسياب حركة التجارة، والتأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين تسهيل التجارة وحماية الأسواق المحلية. مع إزالة العراقيل التي تحد من تدفق السلع، وعلى رأسها التحديات المرتبطة بإجراءات الإفراج الجمركي، بما يسهم في تقليل زمن الإفراج وخفض التكلفة، ويعزز من كفاءة سلاسل الإمداد بين البلدين.

وفي هذا السياق أكد محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري في لقائه مع نظيره المغربي رياض مزور، على ضرورة العمل على تحليل دقيق لبيانات الصادرات والواردات بين البلدين، باعتباره أداة رئيسية لتحديد الفجوات التجارية، وبناء سياسات فعالة تستهدف زيادة نفاذ منتجات البلدين إلى أسواق الطرف الآخر، خاصة في القطاعات التي يتمتع فيها البلدان بمزايا نسبية. في حين أكد وزير التجارة والصناعة، رياض مزور، على أهمية رفع العلاقات الثنائية بين الدولتين إلى مستوى مميز من الشراكات الاستثمارية والتجارية بما يخدم مصالح البلدين، مشددا على ضرورة تعزيز التنسيق المشترك خلال المرحلة المقبلة لوضع آليات تنفيذية واضحة تسهم في تطوير العلاقات التجارية، وتحقيق طفرة ملموسة في حجم التبادل التجاري بين مصر والمغرب.

من هنا يظهر أن اجتماع هذه اللجنة تعتبر صيغة سياسية واقتصادية مبتكرة لخلق أرضية جديدة تقوم عليها العلاقات الثنائية بعد عقود من الغموض السياسي والتنافس الاقتصادي، بعدما فرضت المتغيرات الجيو استراتيجية وعلى رأسها تداعيات الحرب الامريكية الاسرائيلية الإيرانية منظورا سياسيا يقوم على تغليب المصالح الثنائية والتكامل من أجل التموقع الإقليمي في الرقعة الافريقية التي تحولت إلى منطقة تجاذب مختلف القوى الدولية والإقليمية.