هو الطيب آيت أباه، الذي لا يهادن بضميرٍ مستتر من خلف الكواليس اقتناصاً للفرص، بل يجلد جهراً، نهاراً، بلغة الضاد.
يكتب والألم حبره، والخوف من مصير القطاع سوطٌ في يده.
كلما دعت الضرورة، خرج بمقالٍ، بمنشورٍ، أو بتدوينةٍ مصاغة من عمق المعاناة، من عمق بلا قاع، بلسانٍ عربيٍّ فصيح، قاسٍ، مستفزّ، يصلح وثيقةً للتأمل والاستنباط.
مقدمة: نبذة بقلم مول الحانوت
أنا لستُ كاتباً يترف في برجٍ عاجي، ولا محللاً يرصف الأرقام على الورق.
أنا الطيب آيت أباه، المُكنّى بين الناس بـ”مول الحانوت”.
أنا الشاهد، والمشهود عليه. أنا الضحية، والقضية.
مسيرتي الإعلامية والنضالية لم تكن ترفاً، بل كانت نبضاً محموماً، يخفق هلعاً ورعباً من مستقبلٍ غامضٍ مُبهم يتربص بقطاع تجارة القرب.
أكتب والخوف قريني، أكتب والضاد سلاحي وملاذي وأملي الأخير.
فإن لم تنصفنا لغة الضاد، فمن ينصفنا؟
وإن لم تكن الفصحى صرخةً في وجه الاندثار، فما جدوى البيان؟
فاسمعوا لعلكم تتّعظون.
أولاً: الموت السريري… التشخيص الأول للعلة.
لم يمت مول الحانوت بعد، لكنه في غرفة الإنعاش منذ سنين.
أُدخل في موتٍ سريريٍّ ممنهج، فصار جسداً مسجّى على قارعة الطريق الاقتصادي.
أجهزته تنطفئ واحداً تلو الآخر:
هوى هامش الربح، فانطفأ التنفس.
استشرى الدين، فتوقف النبض.
تغوّلت المنافسة غير المتكافئة، فشُلّ الدماغ.
هو حيٌّ يتنفس اصطناعياً من رئة التحمّل، وقلبه ينبض بدينٍ مؤجل.
يفتح دكانه كل فجر، لا حباً في الحياة، بل خوفاً من إعلان الوفاة.
ثانياً: سيرك التمثيليات… مهرجون فوق الجثة.
ثم ابتُلي بمصيبة أعظم من الموت: ابتُلي بمن يرقص على جثته.
جاءه المهرجون. طوائف بقبعاتٍ ذات أجراس، وأنوفٍ حمراء مستعارة.
جاءوا يحملون نعشاً ساذجاً، بلا زخرفٍ ولا اسم، فالاسم محفورٌ سلفاً على شاهدة القبر، بل على باب المقبرة أيضاً، مُعَنْوَنٌ بالخط العريض: “مول الحانوت”.
أنزلوه إلى اللحد بابتسامةٍ عريضة، بلا خشوعٍ لهيبة الموت، ولا رهبةٍ لجلال الفناء.
عيونهم تقدح سخرية، وأيديهم تؤدي طقساً يومياً رتيباً.
فصار الدفن عرضاً هزلياً متكرراً. صار الموت روتيناً إدارياً، تعززه الغرف والتنظيمات المهنية ببلاغات المواساة وبيانات العزاء.
والمقبرة من خلفهم، مقبرةٌ مترامية الأطراف، شواهدها كلها تحمل ذات الاسم، ومع ذلك فمها مفتوحٌ للآفاق وهي تصرخ: “هل من مزيد؟”.
هذا هو سيرك التمثيليات: الضحية تُدفن، والجاني يصفق، والمتفرج يشتري تذكرة العرض من السوق الموازي.
ثالثاً: مسرح الجريمة… حين يصير التاريخ شاهد إثبات.
فلنفترض جدلاً أن الزمن دار دورته، وانقرض مول الحانوت وصار أحفورة.
بعد قرون، كيف سيهتدي علماء الآثار إلى جمجمته بين الركام؟
أتراهم سيستدلون عليها ببصمات المهرجين، الذين تولّوا دفنه، فينسجون خيوط الجريمة من جديد؟
هل سيجدون في عظم الجبهة ثقباً غائراً أحدثه طَرْق الديون المتواصل؟
أم سيعثرون على فكٍّ محطّمٍ من فرط العضّ على جمر الخسارة والترقّب؟
أم سيقرؤون في محجر العين بقايا نظرةٍ أخيرة، مزيجٍ من الخذلان والذهول؟
ستكون الجمجمة هي الدليل الدامغ. وستكون بصمات المهرجين هي الإدانة التي لا تسقط بالتقادم.
رابعاً: الخاتمة… لغة الضاد هي الملاذ الأخير.
وهنا ينهض السؤال الجارح:
أيحتاج قطاع تجارة القرب إلى عصا سحرية يهوي بها على هؤلاء المهرجين، لينجو مول الحانوت بما تبقى من جلده؟
ربما. لكن العصا لا تُرعب مهرجاً، فهو يقتات على الألم ويحيل الضربة إلى نكتة.
الملاذ ليس في العصا، بل في لغة الضاد التي تعري خبث المهرجين.
هي السلاح الذي نملك، والملاذ الذي نلوذ به، والأمل الذي نتشبث بِطَوقِه.
بها نشخّص الداء، وبها نفضح الجناة، وبها نستصرخ الضمائر قبل أن تُقبر.
إن الإصلاحات التي يحتاجها القطاع كي يستمر لا تحتاج مراسيم ولا بيانات، بل تحتاج تقريراً مُفصّلاً.
تقريراً يسمي الموت موتاً، والمهرج قاتلاً، والصمت تواطؤاً.
إن المطلوب ثلاثة أمور، لا رابع لها:
1. أن يكف الجمهور عن التصفيق: فلا سيرك بلا جمهور. ووعيُ مول الحانوت ذاته هو الرصاصة الأولى في نعش المهرج.
2. أن يُسدّ فم المقبرة: أن تتوقف السياسات العرجاء التي تفتح للقطاع قبراً كل يوم وهي تنادي: “هل من مزيد؟”
3. أن ينتفض مول الحانوت من نعشه: فالموت السريري لا تعالجه المسكنات، بل تعالجه الصدمات. عليه أن يخلع كفنه، ويطور أدواته، ويعلن أنه عصيٌّ على الدفن.
إن المهرجين ليسوا الداء، بل هم عَرَضٌ له.
الداء الحقيقي هو صمتنا، هو استسلامنا لفكرة الانقراض كقدرٍ محتوم.
كل شواهد القبور تحمل الاسم ذاته برقمٍ تسلسلي: من مول الحانوت 1 إلى مول الحانوت 1000 وهَلُمّا دَفنا، دون أن يتوقف العدّاد عند حدٍّ معلوم. فسعة المقبرة وشراهتها مُهيّأةٌ لابتلاعٍ لا يُسقّفه تاريخ ولا تحُده جغرافيا.
لكن الحفرة الأخيرة ما زالت شاغرة.
والسؤال الذي ينبغي أن يقضّ مضاجعنا جميعاً ليس “من سيدفن مول الحانوت؟”
بل “من ذا الذي سيجرؤ على ردم الحفرة، قبل أن يحين الدور؟”
وإلى ذلكم الحين، دعونا نستطلع ما ستؤول إليه الحرب الأخيرة بعد أن جرفَ مضيق هرمز كل أطراف النزاع من غرق جماعي محقق إلى ضفاف المفاوضات على أرض إسلام آباد!! مَمَرٌّ تجاري على طاولة المفاوضات، بينما تُرك مول الحانوت مخنوقاً في زُقاقٍ مَنسِي!! أيّ نعم، لا مجال للمقارنة، ولكن الوظيفة واحدة!!