علاء الدين بنهادي
وجهة نظر

الحاجة لـ”ملكية تنفيذية مباشرة دستورية”.. مقالة في الواقعية السياسية

يعيش المغرب في مفترق طرق تاريخي وجيوسياسي غير مسبوق، تتشابك فيه التحولات الإقليمية والدولية المعقدة وتأثيراتها المحلية مع ضرورات الانتقال المؤسساتي والاقتصادي الداخلي. إن التحديات المرتبطة بضمان أمن سلاسل الإمداد العالمية، وتنزيل الأوراش الاجتماعية الكبرى، وإدارة التموقعات الجيوسياسية الجديدة للمغرب في فضائه الإفريقي والأطلسي والمشرقي، فضلا عن الإعداد الهادئ والعميق لانتقال الحكم، تستدعي إعادة تقييم شاملة وجذرية للهندسة الدستورية والسياسية للبلاد وللعلاقة بين المؤسسات الدستورية. وفي ظل عجز بنيوي تعاني منه المؤسسات الحزبية والسياسية التقليدية، يطرح هذا المقال تحليلا معمقا وجريئا لإمكانية وحتمية الانتقال نحو ما يمكن تسميته بـ “الملكية التنفيذية المباشرة”، حيث يرتكز هذا الطرح على تحويل الديوان الملكي أو المجلس الوزاري إلى حكومة سيادية مصغرة تتولى القيادة الاستراتيجية المباشرة، مع حصر دور الحكومة التقليدية الموسعة، المنبثقة عن الأحزاب السياسية والاستحقاقات الانتخابية، في التنفيذ الإداري وتوفير الإمكانيات اللوجستية وتسهيل الإجراءات، دون امتلاكها لأي صلاحيات لتغيير التوجهات الاستراتيجية المحددة سلفا داخل هذه “البنية السيادية التنفيذية الجديدة”. ويستلهم هذا التوجه نماذج دولية أثبتت نجاعتها، كالنموذج الإماراتي المتمثل في ديوان الرئاسة، والنموذج الرئاسي الأمريكي المتمثل في المكتب التنفيذي للرئيس.

الأزمة الهيكلية للفعل الحزبي و”الموت السريري” للوساطة السياسية

لفهم الحاجة الماسة إلى الانتقال نحو حكومة سيادية مصغرة، يجب أولا تشريح الواقع المأزوم الذي تعيشه الأحزاب السياسية ببلادنا، والذي يجعلها غير مؤهلة بنيويا وواقعيا لقيادة الاستحقاقات الكبرى للمرحلة المقبلة، حيث يعيش العمل الحزبي في مرحلة تتسم بالهشاشة والارتباك، وتتقاذفه رياح التكلس التنظيمي وتنهشه مظاهر الاغتراب المستمر عن القواعد الشعبية والنزوات الفردانية الضيقة.لم تعد معظم الأحزاب السياسية، سواء تلك المحسوبة على الأغلبية أو المعارضة، قادرة على إنتاج خطاب سياسي موحد أو تقديم مشروع مجتمعي جامع يواكب التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي. وفي ظل غياب المقاربة الاستراتيجية، أصبحت المقاربات ذات الطابع التكتيكي والخاضعة للإكراهات الظرفية والحسابات الانتخابية الضيقة هي الطاغية على اللعبة السياسية.

وقد أكدت تقارير دولية وازنة هذا التشخيص، حيث أشار تقرير مؤشر التحول الصادر عن مؤسسة “Bertelsmann Stiftung” لعام 2026 إلى أن القيادة العليا ببلادنا ركزت على تعزيز السمعة الدولية والهيبة الوطنية عبر إنجازات رمزية كبرى (مثل استضافة كأس العالم 2030 وملف الصحراء المغربية والشمروغ الأطلسي والموانئ الكبرى)، وهو ما أدى إلى صرف الانتباه عن القضايا السياسية والاجتماعية الملحة، وسلط الضوء على الفشل الذريع للمؤسسات المنتخبة في معالجة فجوات العدالة الاقتصادية والمجالية وضعف سيادة القانون والمشاركة السياسية.

ويمكن توصيف المشهد السياسي الحالي بـ “الموت السريري للسياسة” بمفهومها التقليدي، حيث تواصل الدولة عملها وتؤمن استمرارية الخدمات وتتحرك في أبعاد استراتيجية متقدمة من خلال المبادرات الملكية، وعلى إيقاع “الزمن الملكي”، 2034 وما بعدها، في حين تتصلب الأحزاب وتعجز عن تفعيل “آلية التأويل” التي تربط هذه المشاريع بالمعنى الاجتماعي الملموس. وهذا ما يعزز الفرضية القائلة بأن الحكومة الحالية والمستقبلية، بتشكيلتها الحزبية الفضفاضة ونخبها المهاجرة التي يجمعها في كثير من الأحيان ما يوصف بـ “زواج الضرورة”، تفتقر إلى المرونة، والسرعة، والشرعية المنجزة اللازمة لإدارة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى، مما يحتم سحب القيادة الاستراتيجية منها لصالح إدارة مبتكرة.

الاستحقاقات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى كحتمية لإعادة الهيكلة

إن التحول المقترح نحو إدارة سيادية مصغرة، المجلس الوزاري، أو ديوان ملكي تنفيذي بصلاحيات ومهام دستورية، ليس ترفا فكريا أو مجرد نقاش نظري، بل تفرضه بشكل صارم طبيعة الاستحقاقات الكبرى التي تواجه الدولة المغربية، والتي تتطلب حكامة تتسم بالسرعة، والموثوقية، والتخطيط الاستراتيجي العابر للزمن الحكومي القصير المدى، وذلك من خلال:

أولا: تنزيل ورش الدولة الاجتماعية والتحدي الديمغرافي

يمثل مشروع “الدولة الاجتماعية” أحد أكبر التحديات الهيكلية لبلادنا في القرن الحادي والعشرين، ويتضمن هذا الورش الملكي تعميم التغطية الصحية لجميع المغاربة، والدعم الاجتماعي المباشر للفئات الهشة، وتحديث المنظومة الصحية، وإحداث “السجل الاجتماعي الموحد” لضبط القوائم المستهدفة والاستقرار على منظومة تعليمية وطنية وقيمية جامعة ومجدية. ورغم الجهود والميزانيات المرصودة، إلا أن هذا الورش يصطدم بعوائق بيروقراطية وإدارية تتعلق بالتنفيذ الحكومي والتعثرات الحزبية، وتشتت الاختصاصات بين وزارات متعددة تعجز عن التنسيق الأفقي الفعال.

ثانيا: المبادرة الأطلسية وأمن المضايق وسلاسل الإمداد العالمية

في ظل الصراعات المسلحة المتصاعدة في الشرق الأوسط وأزمة الملاحة وتهديدات المضايق في البحر الأحمر ومضيق هرمز والخليج العربي، تتزايد الضغوط بشكل خطير على سلاسل الإمداد العالمية والنمو الاقتصادي والطاقة، مما يرفع من مخاطر الطاقة والمواد الاستراتيجية. واستجابة لهذا الواقع الجيوسياسي المضطرب، أطلق المغرب رؤية استراتيجية كبرى تتمثل في “المبادرة الأطلسية”، التي تهدف إلى تمكين دول الساحل غير الساحلية (مثل مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية وموانئ أقاليمنا الجنوبية.

كما تكتسي هذه المبادرة أهمية جيوسياسية فائقة، إذ تستهدف منطقة شاسعة تمتد من تخوم السودان شرقا إلى ضفاف المحيط الأطلسي غربا، وتستند إلى إقامة اقتصاد متكامل يشمل بناء ميناء الداخلة الأطلسي في المياه العميقة، وتطوير الطاقات المتجددة، فضلا عن خلق منصة إقليمية استراتيجية لتحفيز العلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية ودول الغرب الإفريقي. إن المبادرة الأطلسية لا تعمل كمجرد مشروع تنموي، بل كـ “هندسة ممرات” (Corridor Architecture) تقودها الدولة لتغيير هرمية الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط وشبكات التجارة العالمية.ويعد الإشراف على مشروع بهذا الحجم الاستراتيجي أكبر من قدرات وزارة خارجية تقليدية أو وزارة تجهيز قطاعية؛ فهو يتطلب تفاوضا دوليا معقدا، وتأمينا عسكريا واستخباراتيا للممرات، وإدارة للتحالفات الإقليمية، مما يحتم وجود إشراف من حكومة سيادية مصغرة قادرة على القيادة الدبلوماسية والتنفيذية المتزامنة والمباشرة بعيدا عن البيروقراطية والحسابات السياسوية وضعف الخبرة.

ثالثا: المشاريع الكبرى المهيكلة (Mega-Projects)

أثبتت المبادرات الملكية تفوقها الواضح في سرعة الإنجاز والحكامة مقارنة بالمشاريع الحكومية التقليدية. وقد أشرفت المؤسسة الملكية مباشرة على سلسلة من المشاريع التي غيرت وجه البنية التحتية لبلادنا، والتي تتطلب اليوم هيئة سيادية لمتابعة توسعاتها وضمان اندماجها الاقتصادي المحلي والدولي والقاري.

رابعا: الاستحقاقات الدبلوماسية وتنزيل مقترح الحكم الذاتي

شهد ملف قضيتنا الوطنية تطورات حاسمة ومفصلية، توجت بصدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025. وقد اعتبر هذا القرار، الذي صاغته الولايات المتحدة وحظي بدعم قوى دولية كبرى (فرنسا، بريطانيا، إسبانيا)، أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الحصري والوحيد لحل النزاع الإقليمي، واصفا إياه بـ “المنعطف الحاسم” في مسار الدبلوماسية المغربية. إن الانتقال من مرحلة استصدار القرارات الأممية وتأمين الاعترافات الدولية إلى مرحلة التنزيل الفعلي لمقترح الحكم الذاتي على الأرض، يتطلب هندسة مؤسساتية دقيقة وحساسة. فهذا التنزيل يشمل إعادة هيكلة الإدارة الترابية، ونقل السلطات، وتدبير الثروات المحلية، وهو مسار حيوي لا يمكن إخضاعه للتجاذبات الانتخابية أو المزايدات الحزبية، بل يستوجب إدارة حازمة تقودها جهة سيادية عليا، كما أظهرت جل الأحزاب، خلال الاجتماع الأخير مع مستشاري الديوان الملكي ووزراء الخارجية والداخلية بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797، أظهرت فقدانها لأي تصور أو فهم لتعقيدات هذه القضية الوطنية الاستراتيجية والجيوسياسية وتبعاتها الترابية.

الإعداد المؤسساتي لانتقال الحكم وتأمين مسار “الحسن الثالث”

يعد ضمان الاستمرارية الاستراتيجية للدولة والحفاظ على استقرار مؤسسة الملكية من أسمى الوظائف السيادية في أي نظام ملكي. وفي هذا الإطار، يخضع ولي العهد الأمير الحسن لتكوين مكثف، عميق، وعالي المستوى، استعدادا لتولي المهام الكبرى وانتقال الحكم في المستقبل المنظور من الملك محمد السادس إلى الملك الحسن الثالث.

إن تأمين هذا الانتقال السلس والمحكم نحو “ولاية العهد التنفيذية” يتطلب محيطا مؤسساتيا مستقرا، صلبا، وخاليا من التشويش الحزبي والبيروقراطي. وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى “حكومة سيادية مصغرة”، المجلس الوزاري أو ديوان ملكي بصلاحيات تنفيذية مباشرة دستورية، ومعزز بكفاءات “تكنوسياسية” ذات خبرة وطنية ودولية عالية، تعمل كدرعواقٍ للملك المستقبلي، وتقود التحولات الاقتصادية والجيوستراتيجية بصمت وفعالية، مما يجنب المؤسسة الملكية تحمل تكلفة الإخفاقات المرتبطة بتعثر الحكومات الحزبية، ويكرس “الشرعية المنجزة” والقدرة على القيادة العملية.

النماذج الدولية المقارنة لحكومات السيادة والإدارة الاستراتيجية

لفهم الجدوى السياسية والإدارية لتحويل الديوان الملكي أو المجلس الوزاري في بلادنا إلى “حكومة سيادية مصغرة”، من الضروري تحليل تفصيلي للنماذج الدولية الناجحة التي تبنت الفصل الواضح بين “القيادة الاستراتيجية السيادية” و”التنفيذ الإداري والخدماتي”. ويبرز في هذا السياق نموذجان مرجعيان: ديوان الرئاسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والمكتب التنفيذي للرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية.

1.    نظام ديوان الرئاسة في دولة الإمارات العربية المتحدة

يمثل ديوان الرئاسة في دولة الإمارات نموذجا مؤسساتيا متقدما وحداثيا للإدارة السيادية الفعالة، حيث يمثل منصب رئاسة الدولة السلطة الثانية في هيكل الحكومة الاتحادية وفقا للمادة (45) من الدستور الإماراتي. وقد شهدت الإمارات إعادة هيكلة عميقة بتحويل “وزارة شؤون الرئاسة” إلى “ديوان الرئاسة”، حيث يتميز هذا النظام بهندسة فريدة تعتمد على الاستقلالية التامة والأذرع الاستراتيجية القوية المباشرة:

  • مكتب رئيس الدولة للشؤون الاستراتيجية:يتمتع هذا المكتب بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري التام، ويختص بمتابعة المشاريع والمبادرات الاستراتيجية، مراجعة مشروعات القوانين، وإدارة الطلبات السيادية، والتنسيق الملزم بين الجهات الاتحادية (مجلس الوزراء) والجهات المحلية لتنفيذ التوجيهات الرئاسية. وتخصص ميزانية هذا المكتب من اعتمادات ديوان الرئاسة لتجاوز أي تعقيدات برلمانية اتحادية.
  • جهاز الشؤون التنفيذية: يعمل ككيان استشاري وتنفيذي لتقديم المشورة الفورية وتقييم السياسات العليا، ويضم الجهاز وحدات متخصصة فائقة الدقة: الشؤون الاقتصادية والطاقة، الشؤون الحكومية والدولية، الشؤون القانونية وإدارة المخاطر، الشؤون الأمنية وإدارة المعلومات، والشؤون الاستراتيجية. ويشرف الجهاز، بتكليف من رئيس الدولة، على تنفيذ وتطوير مشاريع خاصة واستراتيجيات حيوية.

في هذا النموذج، لا يتبع ديوان الرئاسة لمجلس الوزراء، بل هو من يوجه ويراقب، كما يقوم بتقييم أداء الوزارات الاتحادية ومدى تنفيذها للسياسات، في حين يُترك لمكتب رئاسة مجلس الوزراء مهام تطوير كفاءة القطاع الحكومي، الارتقاء بجودة الخدمات اليومية للمتعاملين، وتنظيم الملتقيات المعرفية. هذا الفصل الدقيق بين “صناعة القرار الاستراتيجي السيادي” و”الإدارة اليومية” هو ما يمنح الإمارات سرعتها الفائقة في الإنجاز الميداني.

2.    المكتب التنفيذي للرئيس في النظام الرئاسي الأمريكي

في أعتى الديمقراطيات الغربية، لا تترك القرارات الاستراتيجية للبيروقراطية الوزارية الموسعة. ففي الولايات المتحدة، تم إنشاء “المكتب التنفيذي للرئيس” (Executive Office of the President – EOP) عام 1939 استجابة للحاجة الماسة لتزويد الرئيس بالدعم الاستراتيجي والتشغيلي المباشر بعيدا عن تعقيدات الوزارات التقليدية. ويضم هذا المكتب حاليا ميزانية سنوية تبلغ حوالي 714 مليون دولار، وقوة بشرية تقدر بـ 1800 موظف من كبار الخبراء التكنوقراط والمستشارين السياسيين الذين لا يحتاج معظمهم إلى مصادقة الكونغرس.ويشمل المكتب التنفيذي كيانات حيوية ترسم سياسات الدولة الحقيقية، منها:

  • مجلس الأمن القومي: يدير استراتيجيات الأمن القومي وينسق التنفيذ عبر الوكالات.
  • مكتب الإدارة والميزانية: يشرف على تنفيذ رؤية الرئيس ويطور الميزانية الفيدرالية السنوية الضخمة ويراجع اللوائح التنظيمية.
  • المجلس الاقتصادي الوطني ومجلس السياسة الداخلية:يقدم المشورة وصياغة السياسات الاقتصادية والداخلية قبل تمريرها للتنفيذ.

في المقابل، تتكون الإدارة التنفيذية الكلاسيكية (Cabinet) من نائب الرئيس ورؤساء 15 وزارة تنفيذية (مثل الخارجية، الخزانة، الدفاع، الخ) الذين يتولون “الإدارة اليومية” (Day-to-day administration) وتطبيق القوانين ضمن حدود قطاعاتهم. لقد أدرك الرؤساء الأمريكيون، لاسيما منذ عهد ريتشارد نيكسون، أن الاعتماد على البيروقراطية المهنية للوزارات يحد من قدرة الرئيس على تحقيق سياساته. لذا، قام نيكسون بمركزة السلطة في البيت الأبيض من خلال مستشاريه (مثل هنري كيسنجر في الأمن القومي، وجون إرليخمان في السياسة الداخلية)، فتمت إدارة ملفات ضخمة كإنهاء حرب فيتنام والانفتاح على الصين وتطوير خطط المساعدة العائلية مباشرة من داخل الـمكتب التنفيذي الرئاسي.وتشير التقييمات الإدارية إلى أن حوالي 95% من القرارات الاستراتيجية، وخاصة المتعلقة بالأمن القومي والسياسات العامة الكبرى، تتخذ وتحسم داخل أروقة المكتب التنفيذي ومجالسه الاستشارية قبل أن تصل إلى مستوى وزراء الحكومة ليقوموا بتنفيذها.

إن تقاطع هذين النموذجين يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومات الموسعة، المكونة من وزارات قطاعية، غير قادرة بنيويا وواقعيا على التفكير الاستراتيجي السريع وإدارة الأزمات المعقدة، وأن القيادة الوطنية الناجحة في عصر الأزمات تتطلب “حكومة ظل استراتيجية” أو مجلسا سياديا مصغرا يكون ملاصقا بشكل تام لمركز القرار السيادي.

الهندسة الدستورية والسياسية لتنزيل “الملكية التنفيذية المباشرة” في المغرب

لتحقيق الانتقال نحو “ملكية تنفيذية مباشرة” دستورية وحكومة سيادية مصغرة ببلادنا، بشكل يضمن سلاسة الانتقال وشرعيته، يجب قراءة البنية الدستورية الحالية (دستور 2011) وتحديد المداخل الضرورية لإعادة الهيكلة، سواء عبر الممارسة السياسية وتأويل النص المتاح، أو عبر مراجعة دستورية مرتقبة.

البنية الدستورية الحالية: الملك كحاكم تنفيذي فعلي

إن التأمل المعمق في الباب الثالث من دستور 2011 الخاص بالملكية، يوضح بجلاء أن الملك ليس مجرد حَكَم أو سلطة روحية، بل هو الرئيس التنفيذي الفعلي للدولة والموجه لسياساتها، وذلك من خلال:

  • السلطة الدينية والسيادية: وفقا للفصل (41) يمارس الملك، بصفته أمير المؤمنين، الصلاحيات الدينية حصريا بواسطة ظهائر ملكية لا تخضع لمصادقة أو رقابة السلطة التنفيذية التقليدية.
  • السلطة العليا للدولة: ينص الفصل (42) على أن الملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والضامن لاستقلال البلاد. ويمارس صلاحياته بواسطة ظهائر، توقع بالعطف من رئيس الحكومة باستثناء الصلاحيات السيادية المنصوص عليها حصريا (كالشؤون الدينية، العفو، حالة الاستثناء، وتعيين كبار القضاة).
  • القيادة الاستراتيجية: وفقا للفصل (48)، يترأس الملك المجلس الوزاري، الذي يختص حصريا بالتداول في القضايا الحيوية والتوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ومشاريع المراجعة الدستورية، والقوانين التنظيمية، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية، وإعلان حالة الحصار، وإشهار الحرب، والاتفاقيات الدولية.
  • السلطة التنفيذية التابعة: في المقابل، تُركت للسلطة التنفيذية التقليدية-الوصيفة (الحكومة) صلاحية تنفيذ البرامج وصنع السياسات القطاعية تحت سلطة وإشراف رئيس الحكومة (الفصل 89)، حيث ينفذ الوزراء السياسة الحكومية كل في قطاعه، ويكونون مسؤولين أمام الملك والبرلمان (الفصل 92 والفصل 93).

آليات تحويل المجلس الوزاري أوالديوان الملكي إلى “حكومة سيادية مصغرة”

في ظل الإخفاقات الحزبية وتراكم الاستحقاقات، يقترح النموذج الجديد في هذه المقالة أن يتم الارتقاء دستوريا وعمليا بالديوان الملكي أوالمجلس الوزاري، أو كلاهما في صيغة مندمجة، ليعملا كـ “مكتب تنفيذي لرئيس الدولة” أو كـ “ديوان ملكي تنفيذي وسيادي”، وذلك من خلال الخطوات التالية:

  1. إعادة هيكلة الديوان الملكي كعقل استراتيجي للدولة: يجب تحويل الديوان الملكي من هيئة يغلب عليها الطابع الاستشاري والتنسيقي والمتابعة، إلى مؤسسة تنفيذية استراتيجية دستورية تتولى الهندسة والقيادة المباشرة للملفات تحت الرئاسة الملكية. ويعتمد هذا التحول على استحداث وكالات تنفيذية ومجالس عليا تابعة للديوان الملكي مباشرة، مستقلة عن التشكيل الحكومي. وتوجد سابقة ناجحة ومؤسسة لهذا التوجه تتمثل في “صندوق محمد السادس للاستثمار”؛ فقد تم إحداث هذا الصندوق كأداة تنفيذية استراتيجية ورافعة مالية سيادية للتدخل المباشر خارج الهيكلية الحكومية التقليدية البطيئة، بهدف تعبئة الرأسمال الخاص والعام لدعم البنى التحتية، الصناعة، الفلاحة، السياحة، والشركات الناشئة، مما يضمن تدخلا مباشرا أو غير مباشر يحقق تنمية اقتصادية متوازنة. ويمكن توسيع هذا النموذج ليشمل وكالات سيادية أخرى مكلفة بالأمن الطاقي والمائي والمبادرة الأطلسية وتنزيل مقترح الحكم الذاتي والجهوية الموسعة والدولة الاجتماعية والمشاريع الكبرى المهيكلة كما جاء في البلاغ الملكي الصادر عن المجلس الوزاري الأخير.
  2. المجلس الوزاري كحكومة سيادية مصغرة ودائمة دستورية:

يمكن إعادة هندسة الممارسة الدستورية بحيث يصبح المجلس الوزاري هو “حكومة السيادة” الفعلية. وبدلا من كونه مجلسا ينعقد بصفة دورية للتصديق على التوجهات، يتحول إلى مؤسسة دائمة الانعقاد والاشتغال. يضم هذا المجلس، تحت الرئاسة المباشرة للملك:

  • ولي العهد الأمير الحسن، لضمان استمرارية التكوين القيادي والانتقال المؤسساتي.
  • الوزراء المكلفين بالقطاعات السيادية البحتة (الشؤون الخارجية، الداخلية، إدارة الدفاع الوطني، المالية والاقتصاد، الأمانة العامة للحكومة، والمجلس الأعلى للأمن (الفصل 54)، والاستخبارات).
  • المستشارين الملكيين، الذين يتم إعادة توصيف أدوارهم ليصبحوا أقرب إلى “وزراء دولة لمهام استراتيجية” أو مدراء مجالس أمنية واقتصادية.
  1. تكييف أدوار الحكومة الموسعة (حكومة التدبير القطاعي): تقتصر مهام رئيس الحكومة وباقي الوزراء (المنبثقين عن الأغلبية البرلمانية وإفرازات الانتخابات) على إدارة الشأن العام اليومي، وتطبيق القوانين، وتهيئة البنية التحتية، وتوفير الموارد البشرية والمالية لتسهيل تنفيذ المشاريع الكبرى التي يقرها المجلس الوزاري السيادي. ولا تمتلك الحكومة الحزبية حق الفيتو، ولا تملك صلاحية التعديل، التأخير، أو الإضافة على هذه الاستحقاقات السيادية (مثل ورش الدولة الاجتماعية أو مشاريع البنية التحتية الكبرى أو الحكم الذاتي). ويركز دور الحكومة على الإدارة المحلية، الشؤون البلدية، التعليم الأساسي، والصحة العمومية من الناحية التشغيلية، وصيانة المرافق.

المتطلبات الدستورية للتعديل والمراجعة (أفق الاستحقاقات القادمة)

بالتزامن مع التحديات الحالية وشائعات الاستعداد لإصلاحات هيكلية أو تعديلات انتخابية ودستورية مرتبطة بالمشهد السياسي، قد يستدعي الأمر إجراء تعديلات دستورية لتقنين هذا التحول بوضوح تام، أو الاعتماد على قوة العرف الدستوري والتأويل الديمقراطي الذي يقبل بوجود “مجال محفوظ” للملكية (كما عبرت عن ذلك بلاغات سابقة للديوان الملكي أكدت أن السياسة الخارجية مجال خاص بالملك طبقا للدستور)، ومن بين المقترحات:

  • تعديل الفصلين(47) و(48): لإعادة تعريف تركيبة المجلس الوزاري ليصبح هيئة تنفيذية عليا دائمة وذات هيكل إداري وميزانياتي مستقل (بمثابة ديوان رئاسة الدولة)، وإعطاء الملك صلاحية تعيين وزراء السيادة والمستشارين التنفيذيين خارج اقتراح رئيس الحكومة بشكل صريح وموسع.
  • تعديل الفصل (92): إعادة ضبط اختصاصات مجلس الحكومة بشكل دقيق لمنع أي تداخل أو تشويش بين “التوجهات الاستراتيجية للدولة”-السياسات العامة (التي ستحتكرها الحكومة السيادية المصغرة تماما) وبين “السياسات العمومية القطاعية” (التي ستُحصر في الجوانب التنفيذية الإدارية والخدماتية فقط).
  • التقييد الوارد في الفصل(49): الذي يوجب التداول في المجلس الوزاري بشأن التوجهات الاستراتيجية، يمكن توسيعه ليشمل “التنفيذ والإشراف المباشر” على هذه التوجهات من خلال مفوضين يعينهم الملك.

التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية للهيكلة المؤسساتية الجديدة

إن تحويل بوصلة السلطة التنفيذية نحو هذه الإدارة المبتكرة والسيادية الدستورية سيحدث تأثيرا مباشرا وعميقا في أسلوب ونجاعة العمل والتدبير والقرار، ويعالج الاختلالات التي تعيق انطلاقة الدولة في عدة محاور حاسمة:

1. الفعالية الدبلوماسية وسرعة التفاوض الجيوسياسي

تتطلب مشاريع كبرى ومعقدة مثل المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز النيجيري-المغربي تفاوضا دوليا مستمرا على أعلى المستويات، وتأمينا لتمويلات ضخمة تتجاوز قدرة الميزانيات الحكومية العادية (كما حدث مع إرسالبعثة رفيعة المستوى إلى الولايات المتحدة لإقناع المستثمرين وصناع القرار بتسريع التمويل). إن وجود حكومة سيادية مصغرة يمنح الفاعل الدولي (سواء كان المستثمر الأجنبي، أو الدول الشريكة، أو المؤسسات المالية الدولية) ضمانات سيادية كبرى بأن هذه المشاريع محصنة تماما ضد التقلبات الانتخابية، السقوط الحكومي، أو الحسابات الحزبية الضيقة المعطلة.

2. تسريع وتيرة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية وإنهاء العرقلة البيروقراطية

من خلال نقل الإشراف المباشر واليومي على مشاريع الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية الشاملة إلى الديوان الملكي، بهيكلته وتنظيمه الجديد، أو مؤسسة مستقلة تابعة له (كمندوبية سامية أو وكالة سيادية للحماية الاجتماعية)، سيتم تجاوز البطء البيروقراطي المعهود في القطاعات الحكومية. سيسمح هذا التوجه بالاستفادة من آليات تكنولوجية ومالية مستقلة لتأمين الاستدامة المالية لهذه البرامج الحيوية، وإبعاد الملف الاجتماعي الحساس عن ساحة المزايدات السياسية أو إكراهات قانون المالية السنوي الذي يخضع للابتزازات الحزبية داخل قبة البرلمان.

3. تأمين بيئة استراتيجية آمنة لانتقال السلطة

إن تركيز السلطة التنفيذية وصناعة القرار الاستراتيجي في حكومة سيادية دستورية مصغرة يُسهل بشكل كبير عملية الإعداد لانتقال الحكم. فمشاركة ولي العهد في هذه الحلقة الضيقة من صنع القرار، جنبا إلى جنب مع كبار الخبراء والكفاءات “التكنوسياسية” والأمنية والاقتصادية، سيكرس “الشرعية المنجزة” والتمرس العملي على الملفات الحساسة، وسيوفر هذا المحيط المؤسساتي الصارم درعا سياسيا للملك المستقبلي ضد أي تعثرات أو إخفاقات قد تنتج عن ضعف الأداء الحزبي للبرلمان والحكومة الموسعة، مما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة في بيئة إقليمية وقارية شديدة الاضطراب ومفتوحة على كل الاحتمالات الأمنية والاقتصادية.

الخلاصة الاستراتيجية

يواجه المغرب جملة من الاستحقاقات التاريخية والوجودية التي لا تحتمل التأجيل، ولا يمكن إخضاعها لمنطق التجربة والخطأ الملازم للعمل الحزبي التقليدي المعطوب هيكليا. إن السياق الإقليمي المحتقن بحروب المضايق وأزمات الإمداد، وتحديات التموقع الجيوسياسي الأطلسي، ومشروع الدولة الاجتماعية، والحكم الذاتي وتوابعه، فضلا عن الإعداد المؤسساتي الدقيق لمرحلة انتقال الحكم في أفق السنوات المقبلة، جميعها عوامل تفرض على العقل السياسي للدولة حتمية القطع المنهجي والإداري مع آليات التدبير الحكومي الكلاسيكية.

إن المقترح القاضي بتأسيس “ملكية تنفيذية مباشرة” دستورية لا يعني بأي حال من الأحوال تراجعا عن الخيار الديمقراطي المجتمعي أو إلغاء للمؤسسات التمثيلية، بالرغم من الملاحظات حول حدود الديمقراطية وأعطابها، سنأتي عليها في مقال آخر، بل يمثل إعادة هندسة مؤسساتية ذكية وضرورية. إنها تضع المهام الاستراتيجية، السيادية، والمشاريع الكبرى المهيكلة في يد “حكومة سيادية مصغرة” دستورية (سواء عبر تحويل الديوان الملكي وإمداده بوكالات تنفيذية كصندوق محمد السادس للاستثمار، أو إعادة هيكلة المجلس الوزاري ليصبح مؤسسة حكم دائمة الانعقاد). وفي المقابل، تستمر الحكومة الموسعة والبرلمان في الاضطلاع بمهام التشريع الإداري، والتنفيذ القطاعي، وتدبير المرافق العامة، والخدمات المباشرة للمواطنين.

إن بلادنا، بتبنيها لهذه الإدارة المبتكرة والشجاعة، لن تحصن فقط أمنها القومي وتماسكها الاجتماعي واستقرارها السياسي والمؤسسي، بل ستؤسس لنموذج فريد في الحكامة الوطنية يزاوج بين استقرار وعمق “مؤسسة ملكية تنفيذية مباشرة ودستورية” وفعالية الكفاءات “التكنوسياسية”، لتعبر بثبات ويقين نحو تعزيز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة وحاسمة وموثوقة ومؤثرة في نظام عالمي وإقليمي جديد يمر بمخاض عسير ومحفوف بالمخاطر. إن “الملكية التنفيذية المباشرة” الدستورية لا تعني السلطوية، وإنما النجاعة والصرامة في تدبير شؤون الدولة ومؤسساتها ومشاريعها الكبرى التي تراهن عليها للنهوض بالمغرب، دولة ومجتمعا، وحجز المكانة اللائقة به في محيطه الإقليمي والقاري والدولي.