وجهة نظر

سباق شتنبر 2026: الاستقلال يتقدّم والصحراء مفتاح الحسم

في أفق انتخابات شتنبر 2026، تبرز فرضية تصدر حزب الاستقلال للمشهد الانتخابي كخلاصة لمسار تراكمي يجمع بين التنظيم الحزبي التاريخي والقدرة على التكيف مع التحولات السياسية. الحزب استفاد خلال الولاية الحكومية من تموقع “وسطي” داخل الأغلبية، فلم يتحمل كلفة القرارات الصعبة بنفس الدرجة التي واجهها حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب القائد بزعامة السيد عزيز أخنوش، وفي الوقت نفسه حافظ على خطاب اجتماعي قريب من الفئات المتوسطة والفقيرة. كما أن شبكته الانتخابية التقليدية، خاصة في بعض المدن الكبرى والعالم القروي والجهات الجنوبية، تمنحه قاعدة صلبة، وهو ما يعزز فرضية تصدره إذا ما ارتفعت نسبة المشاركة بشكل متوسط إلى مرتفع.

في المرتبة الثانية، يبقى التجمع الوطني للأحرار حاضرًا بقوة، بالنظر إلى ما راكمه من أدوات تنظيمية حديثة واعتماده على الأعيان والمنتخبين المحليين. غير أن منطق “الدورة الانتخابية” في المملكة المغربية غالبا ما يُظهر أن الحزب الذي يقود الحكومة يتعرض لتآكل نسبي في شعبيته بسبب كلفة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصا في ظل سياق يتسم بارتفاع الأسعار وتحديات القدرة الشرائية. لذلك، ورغم قوته الميدانية، فإن تراجعه إلى المرتبة الثانية يظل سيناريو واقعيا.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، المرشح للمرتبة الثالثة، فيستند إلى بنية تنظيمية واسعة وانتشار جغرافي مهم، لكنه يتأثر بدوره بحصيلة المشاركة الحكومية وببعض القضايا التي أثارت جدلا سياسيا وإعلاميا. بالاضافة إلى الرجة التنظيمية التي حدثت بجهة الصحراء، ومع ذلك، فإن الحزب يمتلك قدرة على الحفاظ على موقعه ضمن الثلاثة الأوائل بفضل حضوره القوي في الجماعات الترابية وشبكة المنتخبين، ما يمنحه حدا أدنى من الاستقرار الانتخابي.

وبخصوص المراتب من الرابعة إلى السابعة، فإن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية والحركة الديمقراطية الاجتماعية ستظل في موقع “الأحزاب المتوسطة”، حيث تتحكم في نتائجها عوامل متعددة، من بينها وضوح الخطاب السياسي، وقوة التأطير الحزبي، والقدرة على استقطاب الأصوات الاحتجاجية. فالاتحاد الاشتراكي قد يدفع ثمن غموض تموقعه خلال الولاية، بينما تستفيد الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية من وضوح نسبي في المعارضة، في حين تبقى الحركة الديمقراطية الاجتماعية ذات حضور محدود لكنه ثابت في بعض الدوائر.

في المقابل، يُرجح أن يحل حزب العدالة والتنمية في المرتبة الثامنة، رغم الحركية التي أضفاها على المعارضة بقيادة عبد الإله بن كيران. فالحزب ما يزال متأثرا بتداعيات انتخابات 2021، وما نتج عنها من تراجع في منسوب الثقة لدى جزء من قاعدته الانتخابية. كما أن عودته تبقى مرتبطة بمدى قدرته على ترسيخ وضوح خطه السياسي واستقلالية قراره، خصوصا في ما يتعلق بعلاقته مع حركة التوحيد والإصلاح، بما يبدد أي التباس حول المرجعية والولاءات الفكرية لبعض الحركات الاسلاموية المشبوهة ويؤكد تموقعه كحزب مدني يشتغل ضمن الثوابت الوطنية. وفي هذا السياق، يظل تجديد الخطاب السياسي وتعزيز المصداقية لدى الناخبين المترددين عاملين حاسمين في تحديد مدى قدرته على استعادة جزء من حضوره الانتخابي.

ويبقى العامل الحاسم في هذا الترتيب مرتبطا بثقل الأقاليم الصحراوية في الخريطة الانتخابية، حيث تشكل هذه الجهات كتلة ناخبة منظمة ومؤثرة، قادرة على ترجيح كفة حزب على آخر. في هذا السياق، يستفيد حزب الاستقلال من تحالفات محلية قوية ومن حضور عائلات سياسية وازنة، من بينها أسرة أهل الرشيد، التي راكمت تجربة طويلة في تدبير الشأن المحلي والتمثيل البرلماني، ما يجعلها عنصرا محددا في توجيه النتائج بهذه المناطق.

وبناء على هذه المعطيات، فإن تصدر حزب الاستقلال سيمنحه، وفق مقتضيات الفصل 47 من الدستور المغربي، أحقية قيادة الحكومة المقبلة، في سياق قد يتقاطع مع رهانات كبرى من بينها الاستعدادات الوطنية لتنظيم تظاهرات دولية كبرى. ومن المنتظر أن ينعكس ثقل الأقاليم الجنوبية داخل التشكيلة الحكومية، من خلال تمثيلية وازنة قد تصل إلى حقيبتين أو ثلاث، كنتيجة لمسار سياسي ممتد لأكثر من ربع قرن من العمل الميداني والتنظيمي الذي راكمته هذه النخب داخل حزب الاستقلال.