انتشرت في السنوات الأخيرة دكاكين يمتهن أصحابها الرقية الشرعية مدعين إخراج الجن وإزالة العين والحسد و”العكوس” ومسميات كثيرة أخرى.
والظاهرة ليست حكرا فقط على المجتمع المغربي بقدر ماهي عامة في كل البلدان العربية والإسلامية تقريبا..
ومايجعل المهنة مقبولة تعرف انتشارا واسعا هو ربطها بالقرآن الكريم لكونه العلاج الشافي لكل الأمراض الغيبية التي يصرح القائلون بوجودها وتأثيرها على جسد الإنسان.
والحقيقة أن القرآن الكريم كلام الله المنزه عن كل عيب كتاب هداية وإرشاد وتوجيه وفقه وشفاء فِعلي للنفوس والقلوب ولم يكن يوما كتاب طب أو علاج بالمعنى الضيق الذي يدعيه من اختاروا العلاج به..
الله سبحانه وتعالى أمرنا باتخاذ الأسباب في كل أمر ومن بديهيات تلك الأسباب التوجه للطبيب المختص كلما دعت الضرورة سواء تعلق الأمر بالمرض العضوي أوالنفسي وكما أننا نطلب الرزق بالعمل والسعي فطلب الشفاء يكون بسلك طرقه العلمية المنطقية التي لاتتعارض مع الشرع..
والرقية بشكلها المهني الحالي الشائع لدى لناس لم تكن يوما سنة نبوية ولا حتى من ابتداع السلف الصالح بقدر ماهي أمر مستحدث غذته الخرافة والجهل.
ممارسة الرقية كمهنة مستقلة لديها ممارسوها وعياداتها الخاصة هو ضرب من البدعة والدجل المحض وشواهد القصص في المجتمع كثيرة لاحصر لها من قبيل الاستغلال المادي والجنسي وغيره..
الرقية بمنظورها السني النبوي الصحيح الثابت هي أن يقرأ المسلم على نفسه القرآن والأدعية المناسبة ويتوجه بالتضرع لخالقه من أجل قضاء حاجته سواء طلبا لرزق أو رفعا لبلاء.
ولا بأس أن يقرأ المسلم على أخيه المسلم أو يدعو له من باب الإخاء والخير فقط ..لكن أن يصير الأمر إلى مهنة عشوائية مسكوت عنها -احتراما فقط لقداسة القرآن الكريم- وأموال طائلة تدفع مقابل خدمات غير مضمونة فذلك ضرب لمهنة الطب التي يتكبد طلبتها عناء التعلم لسنوات طويلة قبل التمكن من أهلية تشخيص الداء والدواء..
للأسف أصبحت مهنة الراقي الشرعي حرفة من لامهنة له فيكفي الواحد من هؤلاء أن يلبس قميصا ويرخي لحيته ويحفظ ماتيسر من سور القرآن الكريم دون شواهد علمية او تزكيات رسمية أو رخص قانونية ليدعي “إخراج الجن “وتحديد نوعه ومذهبه وعقيدته وطرق طرده رغم أن كل ذلك من قبيل عالم الغيب الذي لايعلمه إلا الله والحقيقة أنه في سوق الجهل كل شيء متاح للبيع والشراء ، فعندما تنتشر ثقافة الخرافة لدى الناس ويشيع فيهم الاعتقاد بتأثير العوالم الغيبية في تفاصيل حياتهم اليومية طبيعي جدا أن تزدهر تجارة الرقية حتى يصير ممارسوها أثرياء جدد يركبون السيارات الفارهة ويراكمون الأموال دون دفع درهم ضريبة واحد على هذا النشاط المشبوه الذي يجب أن تتدخل السلطات المعنية لمنعه وتوعية الناس بحقيقة الممارسة الطبيعية للرقية الشرعية من خلال الحفاظ على الأذكار وقراءة القرآن الكريم والصلاة وربط الصلة بالله تزكية للنفس والروح بعيدا عن خزعبلات المس بالمفهوم المنتشر لدى الناس (جن يسكن إنسانا).
والأمر يحتاج صراحة لتظافر الجهود سيما على مستوى وزارة الأوقاف ووزارة التعليم ووزارة الصحة لتصحيح المفاهيم وتمكين ا لمواطن من العلاج الحقيقي خصوصا على مستوى الطب النفسي الذي يعرف ضعفا في الإقبال عليه إما نظرا لارتفاع تكاليف الكشف والمتابعة أو لنظرة الناس المتوجسة تجاهه.