منتدى العمق

نحو قياس ما لا يُقاس: الشعبوية بين الخطاب والمؤشر

ما نروم إليه في هذه الكلمات ليس سؤالًا بريئًا،بل مشاكسة الفكر السياسي و أزِّه إلى اقتحام مناطق ظلَّ يتحاشاها طويلًا :
إذا كانت الكوارث الطبيعية تُقاس وتُرصد وتُستَبق، فلماذا لا نعامل الكوارث السياسية،وفي مقدمتها الشّعبوية ،بالجدية نفسها؟

لقد عاشت البشرية تجارب كبرى في القرن العشرين، تجسدت في مغامرات أدولف هتلر و من والاه و آخرون ممن تلاه. فكانت ملايين من الضحايا ، و كانت ترليونات من الخسائر … ولم تكن العِبرة.

ومع ذلك، أو من أجل ذلك ،لا نملك حتى اليوم أدوات قياس دقيقة لهذه “الاهتزازات السياسية” التي قد تفوق في آثارها الزلازل والأعاصير.

تُعْرف الشّعبوية بكونها منطق سياسي يقوم على تبسيط العالم إلى ثنائية حادّة: نحن و الآخرون أو شعب نقي و نخب فاسدة. فتنزلق السياسة من فنِّ إدارة التعقيد، إلى معركة أخلاقية بين الخير والشرّ، وتُختزل الإرادة العامة في صوت واحد يحتكرها ويدّعي تمثيلها.

و إذْ توصف الشعبوية بكونها “إيديولوجيا ناعمة” فلِأنها ليست إيديولوجيا مكتملة بل قابلة للالتحام بأي مضمون: قومي، ديني، أو اجتماعي. كما أنها لا تستأثر بنمط حكم معين ،فكما توجد في كوريا الشمالية ، يمكن أن تجدها في الهند أو في الولايات المتحدة.
لكن قوّة الشعبوية ، وخطورتها،تكمن في شيء أعمق:قدرتها على تحويل العلاقة السياسية من نقاش عقلاني إلى انتماء عاطفي.

ثم أما بعد،
فإننا نعيش اليوم في عالمٍ مهووس بالقياس:مؤشر التنمية البشرية،مؤشر السلام العالمي ، مؤشر التقدم الاجتماعي ، مؤشر المعرفة ، مؤشرات البيئة والحكامة . كما أنّ ثمّة مؤشرات أكثر دقّة و صرامة، تعتمدها المؤسسات المالية العالمية مثل:الاستدامة المالية ،المؤشرات النقدية والخارجية ومؤشرات النمو والهيكلة. كلها أدوات تتغيّى استنطاق الواقع بِلغة الأرقام. هذا فيما يخص الدول ، أما الأفراد ، وفي عهد الخوارزمات، و دون مجاراة نوح هراري في نبوؤاته، سنكتفي بالإشارة إلى أنا كبشر قد شُفِّرْنا تشفيرًا فأمسينا كتلة من ” الداتا ” تعرفنا بعض الجهات أكثر مما نعرف أنفسنا ، و تُباع أنماط حياتنا للمُشهرين كما تباع باقي السّلع.

وحين يتعلق الأمر بما هو رمزي وخطابي خاصة في المجال السياسي و الاجتماعي، نلحظ تقصيرا قد نفهمه دون أن نتفهّمه.
أعود للتذكير بسؤالي ، أو تساؤلي:

لماذا لا يوجد مؤشر صارم يقيس خطر الشعبوية، رغم أن آثارها قد تكون أكثر تدميرًا من الكوارث الطبيعية؟
مع يقيننا أنّه يصعب ،و أحياناً يستحيل ،مواجهة ما لا نقيسه،وفهم ما لا نحاول تفكيكه.
وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات،قد لا يكون السؤال :هل يمكن قياس الشعبوية؟

بل: ماذا سيحدث… إن لم نفعل؟
سأكون شعبويا من طراز آخر ، إن ادعيتُ اكتشاف “المعادلة النهائية” التي تصنّف الشعبوية بدقة رياضية.
ما نقدّمه هنا هو، ببساطة: محاولة للانتقال من الانطباع إلى التحليل،ومن الوصف إلى القياس.
ورغم تلهفنا إلى ” رقمنة ” الظاهرة ابتغاء قياسها و تتبع مستوياتها و مقارنة الدول بعضها ببعض، إلا أنه لا مناص من استحضار ماهية هذه الظاهرة أي طابعها الإنساني و الفلسفي. و بعبارة أخرى وجب الإستعانة بنيتشه ، و غوستاف لوبان و حنة أرنت و كاس مود و ثلّة ممن أحاطوا الموضوع علما ، و تشريحاً. و لا تستوحش إن وجدت نفسك في أثينا تستفسر أفلاطون عن البدايات الأولى للديماغوجيا.

وبعد أن تعود من رحلة الماضي ، هاؤم دعوتي إلى رحلةالمستقبل…
بالنسبة لمؤشرنا ، فالإنطلاقة ستكون من فرضية شبه بديهية مفادها أنه كلما اقتربت السياسة من منطق الإيمان،ارتفع منسوب الشعبوية أو “التقديس السياسي”.

سنفترض أن هناك خمسة عوامل رئيسية تساعد على رصد الشعبوية :
أ- الضغط البنيوي: و هو مؤشر مركّب يعكس مجموع الضغوط ، الحقيقية أو المتخيَّلة ، التي يتعرض لها المجتمع، سواء كانت: اقتصادية ،أمنية ، صحية، بيئية (بما في ذلك الكوارث الطبيعية)
ب. الفراغ الوجودي : فقدان المعنى ، القلق الهوياتي …
ج. السردية الخلاصية : كل خطاب شعبوي يقدّم:تفسيرًا مبسّطًا للأزمة و وعدًا بحل جذري فتتحول السياسة إلى قصة:أزمة ،عدو ثم خلاص
د- القائد الرمزي:شخصية تُجسّد الإرادة الجماعية.
ه. الطقوس الجماهيرية تشمل:التجمعات ,الشعارات ,التفاعل الرقمي.
في المقابل سنحاول رصد بعض الآليات ، التي يمكنها كبح الزخم الشعبوي.
و : الكوابح : الصحافة ، القضاء، المجالس التشريعية …
و في الأخير و علما منا بأن كل هاته العوامل تختلف أهميتها حسب كل دولة فسنضيف المعامل F و طبعا سيختلف من مكون لآخر. ونقترح أن يكون نسبة مئوية ، و بالتالي ف:
1 = F1+F2+F3+F4+F5+F6
نجمع العوامل مضروبة في معامل أهميتها و نطرح منها العوامل العكسية ، أو ما سميناها بالكوابح مضروبة في معاملها :
أF1.+ بF2. + جF3.+ د4.F+ هF5.ـ و F6
المجموع يقسم على 6
و النتيجة ستكون كما يلي :
0–3 → سياسة عقلانية
4–6 → شعبوية معتدلة
7–8 → شعبوية قوية
9–10 → شعبوية قوية و تقديس سياسي

هي حروف و أرقام ، و معادلات، ليست تخفى ” سذاجتها ” لرصد و رقمنة ظاهرة بحجم الشعبوية .حسبنا من هذه المحاولة استنهاض همم من هم أعلمنا و أفقهنا في هذا الباب.
فربما لا نُحيط بالظاهرة، لكننا،على الأقل،نرفض أن نبقى خارجها…
هي لبنة تستدعي أخواتها ، حتّى إذا اكتمل الصرح ، قال قائلهم ، قد مرّوا من هنا…