وجهة نظر

من الجرس إلى الشعار.. أسرار التأثير في الجماهير

يستدعي الحديث عن توظيف السياسة لآليات التأثير النفسي استحضار تجربة إيفان بافلوف* التي كشفت عن قابلية السلوك البشري للتشكّل عبر الربط الشرطي بين المنبّهات والاستجابات. قام بافلوف على ملاحظة دقيقة: صوت الجرس يكتسب قدرة على استدعاء استجابة بيولوجية تلقائية بعد اقترانه المتكرر بالطعام. انتقل هذا المبدأ من المختبر إلى مجالات متعددة، منها الإشهار، التربية، ثم العمل السياسي الذي وجد فيه أداة فعّالة لبناء الولاءات وتوجيه الجماهير.

الفضاء السياسي المغربي يحمل تعددية واضحة، ومع ذلك تكشف القراءة المتأنية عن تقاطعات في أدوات التأثير بين تيارات تبدو متباعدة في المرجعية. تيار ذو مرجعية إسلامية دعوية، وتيار آخر يرفع خطاباً يسارياً راديكالياً، يلتقيان عند نقطة دقيقة: توجيه الانفعال الجماعي عبر بناء روابط نفسية مستقرة. كل طرف يختار مفرداته، يصوغ رموزه، ثم يكررها بإيقاع محسوب، حتى تكتسب قدرة على استدعاء استجابة جاهزة.

الخطاب الإسلامي الدعوي يعتمد على مخزون رمزي متجذر في الوعي الجمعي. مفردات مثل الهوية، القيم، الأخلاق، تنغرس في الذاكرة منذ الطفولة، وتحمل شحنة وجدانية عميقة. ربط هذه المفردات بأسماء تنظيمات أو شخصيات يخلق مساراً ذهنياً سريعاً: الاسم يستدعي القيمة، والقيمة تولد شعوراً بالثقة. هذا الترابط يتعزز مع كل تكرار في خطبة أو درس أو لقاء جماهيري. يتحول اللفظ إلى مفتاح يفتح باب الانفعال دون حاجة إلى تحليل مفصل.

اليسار الراديكالي يسلك مساراً موازياً مع اختلاف في المعجم. مفردات مثل العدالة، الكرامة، النضال، التحرر، تشكل نواة الخطاب. هذه الكلمات تحمل بدورها شحنة قوية، خاصة لدى فئات تعيش ضغطاً اجتماعياً أو اقتصادياً. ربط هذه المفردات برموز الحركة يخلق استجابة وجدانية مشابهة. الاسم يستدعي فكرة النضال، والفكرة تولد شعوراً بالانتماء. التكرار داخل المسيرات والهتافات يعمّق هذا الأثر، ويمنحه طابعاً جماعياً.

التكرار يشكل قلب العملية. الرسالة التي تعاد بصيغ متعددة تستقر في الذهن، وتتحول إلى مرجع داخلي. الخطاب السياسي يستثمر في الإيقاع، في الجملة القصيرة، في الشعار المكثف. الصوت الجماعي في الاحتجاج، أو النبرة الهادئة في الخطاب الديني، كلاهما يؤدي وظيفة واحدة: تثبيت الرابط بين الكلمة والانفعال. مع الزمن، يستجيب الفرد تلقائياً، دون توقف عند التفاصيل.

هذا البناء لا يقتصر على تعزيز الانتماء، بل يشمل أيضاً إنتاج نفور من خصم محدد. كل تيار يحدد صورة سلبية لطرف آخر، ويربطها بمفردات ذات حمولة انفعالية. التيار الإسلامي قد يربط خصومه بصور ترتبط بالانحلال أو فقدان الهوية، بينما يربط اليسار الراديكالي خصومه بصور الاستغلال أو الهيمنة. التكرار المستمر لهذه الصور يخلق استجابة سلبية مستقرة. يكفي ذكر الاسم حتى تنشط شبكة من المعاني الجاهزة.

الرموز البصرية تدخل بقوة في هذا البناء. اللون، الشعار، طريقة اللباس، كلها عناصر تحمل رسالة صامتة. التيار الإسلامي قد يعتمد إشارات دينية أو ألواناً توحي بالوقار، بينما يعتمد اليسار رموزاً تاريخية أو ألواناً ارتبطت بحركات احتجاجية عالمية. العين تلتقط هذه الرموز بسرعة، والذاكرة تربطها بانفعالات محددة. يتحول الرمز إلى منبّه بصري قادر على استدعاء شعور فوري.

اللغة نفسها تخضع لاختيار دقيق. كل كلمة تحمل طاقة معينة، وتوجيه هذه الطاقة يحدد أثر الخطاب. اللغة ذات الطابع الأخلاقي تمنح الخطاب الإسلامي عمقاً وجدانياً، بينما تمنح اللغة الصدامية اليسار الراديكالي قدرة على التعبئة. في الحالتين، لا تقف اللغة عند نقل المعنى، بل تصنع الانفعال.

الذاكرة الجماعية توفر مادة إضافية. استحضار لحظات من التاريخ يمنح الخطاب امتداداً زمنياً. التيار الإسلامي قد يستدعي لحظات من التاريخ الإسلامي، فيشعر المتلقي أنه جزء من مسار طويل. اليسار الراديكالي يستحضر بدوره محطات نضالية، فيربط الحاضر بسلسلة من التضحيات. هذا الاستدعاء يعزز الانتماء، ويمنح الرسالة قوة إضافية.

وسائل الإعلام الحديثة تضاعف من هذا التأثير. المنصات الرقمية تتيح تكرار الرسالة بسرعة وانتشار واسع. الفيديو القصير، الصورة، البث المباشر، كلها أدوات تسرّع عملية التثبيت. الرسالة تصل إلى المتلقي مرات عديدة في اليوم الواحد، بصيغ مختلفة، مع الحفاظ على الجوهر نفسه. هذا التكرار المكثف يعمّق الرابط الشرطي.

بناء الثقة يدخل ضمن هذه العملية. ربط القيادة بقيم إيجابية يخلق صورة مستقرة في ذهن الجمهور. التيار الإسلامي يعزز صورة النزاهة والتقوى، بينما يعزز اليسار صورة النضال والتضحية. مع الزمن، تتحول هذه الصور إلى مسلمات داخل وعي الأنصار. الاسم وحده يكفي لاستدعاء منظومة كاملة من المعاني.

رغم قوة هذه الآليات، يظل الإنسان قادراً على تجاوزها. الوعي النقدي يفكك الروابط، ويعيد النظر في المسلمات. التعليم، التجربة، الاطلاع على مصادر متعددة، كلها عوامل تعيد بناء العلاقة بين الفرد والخطاب السياسي. فئات من الشباب المغربي تطور هذا الحس النقدي، وتتعامل مع الرسائل السياسية بحذر وتحليل.

التنافس بين التيارات يعزز استخدام هذه التقنيات. كل طرف يسعى إلى تثبيت رموزه وإضعاف رموز خصمه. هذا التفاعل يخلق حالة من التشبع لدى الجمهور، ويزيد من تعقيد المشهد. الفرد يجد نفسه أمام شبكة من الرسائل المتقاطعة، وكل رسالة تحاول بناء استجابة خاصة.

تجربة إيفان بافلوف تقدم زاوية تحليلية تكشف عن جانب خفي في هذا المشهد. الربط بين المنبه والاستجابة يمتد إلى الحياة اليومية، ومنها إلى السياسة. الخطاب السياسي، مهما اختلفت مرجعياته، يستثمر في هذه القابلية الإنسانية، ويعيد تشكيلها وفق أهدافه.

هذا الفهم يفتح مجالاً لقراءة أكثر عمقاً للممارسة السياسية في المغرب. العلاقة بين السياسي والجمهور تتجاوز تبادل الأفكار، لتشمل بناء استجابات نفسية مستقرة. إدراك هذه الآلية يمنح الفرد قدرة على التمييز، ويعيد الاعتبار للفكر النقدي في مواجهة التأثير الآلي.

 

* تجربة إيفان بافلوف في علم النفس السلوكي تُظهر أن الكائن الحي يمكن أن يتعلم استجابة تلقائية عبر التكرار. فقد لاحظ أن الكلاب، بعد تكرار اقتران صوت الجرس بتقديم الطعام، أصبحت تُفرز اللعاب عند سماع الجرس وحده، وكأن الطعام حاضر فعلاً