قد يبدو هذا العنوان بعيدا عن الواقعية السياسية، وقريبا من “الفقه الافتراضي” الذي يدرس مسائل لم تحدث بعد، غَير أن اختياره يَجد مبرراته في “صمت” المعارضة البرلمانية الذي أعقب تصويت مجلس النواب بالأغلبية على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول، فإلى حُدود كتابة هذه السطور لم تهدد باللجوء إلى المحكمة الدستورية عَلى غرار ما قامت به مع الصحافيين عندما أحالت مشروع قانون المَجلس الوَطني للصحافة على القضاء الدستوري، فهل تنطبق على العدول عبارة “وأما حمزة فلا بَواكي له”.
ويظل ما جاء في البلاغ الصادر عن المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية للعدول من عزمها سلك مسطرة الطعن بعدم دستورية بعض المواد الواردة في النص المذكور، لمخالفتها الصريحة للمبادئ الدستورية والحقوق المكتسبة، بدون معنى دون أن تعقبه تعبئة المعارضة للقيام بذلك باعتبارها احدى جهات الإحالة وفي انتظار ذلك لنحاول انجاز هذا التمرين الدستوري في محاولة الجواب على السؤال الذي يحمله عنوان هذا المقال والذي ينطوي على مفارقة واضحة، إذ كيف يمكن لوزير العدل أن يدفع بعدم دستورية قانون كان وراء تسريع مسطرته التشريعية، وواجه مطالب العدول برفض صريح، في الوقت الذي لم تُحسم فيه بعد مسألة لجوء المعارضة إلى المحكمة الدستورية للطعن في هذا المشروع، رغم مبادرتها في حالات أخرى آخرها قانون المجلس الوطني للصحافة.
أعرب وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال الجلسة التشريعية العامة المنعقدة يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026، والمخصصة للتصويت في إطار القراءة الثانية على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول، عن رغبته في الاطلاع على “فتوى” القضاء الدستوري في بَعض المواد الخلافية لهذا النص، ومن بينها المادة التي تنص على أن يكون شهود اللفيف من الذكور والإناث.
لكن، إذا لم تبادر المعارضة إلى إحالة القانون على المحكمة الدستورية، فهل يمكن لوزير العدل القيام بذلك لتحقيق رغبته السياسية ؟ وهل يملك، أصلا، هذا الاختصاص؟
يظل من الناحية الدستورية، هذا الاحتمال محل نظر، ذلك أن وزير العدل لا يُعد من بين الجهات التي خول لها دستور 2011 حق الإحالة الاختيارية على المحكمة الدستورية. فقد حصر الدستور هذه الصلاحية في “الملك ورئيس الحكومة ورئيسي غرفتي البرلمان وخمس أعضاء الغرفة الأولى أو 40 عضوا من الغرفة الثانية”، وهو ما يجعل ممارسة وزير العدل لهذا الحق بشكل مباشر أمرا غير ممكن واقعيا.
غير أن بعض الفقه الدستوري المغربي القانون يذهب ومن بينهم الأستاذ يحيى حلوي إلى إمكانية مُمارسة هذا الاختصاص بشكل غير مباشر، عبر تفويض يصدر عن رئيس الحكومة لفائدة أحد أعضاء حكومته، استنادًا إلى الفصل 90 من دستور سنة2011، الذي يجيز لرئيس الحكومة تفويض بعض سلطه.
ويظل هذا الطرح نظريا تجريديا أكثر منه عمليا، حيث أن الاطلاع على القرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية حاليا والمجلس الدستوري سابقا، توضح بأن الإحالات الصادرة عن رئيس الحكومة (أو الوزير الأول سابقا) تظل محدودة لاعتبارات متعددة، من بينها أن مشاريع القوانين تتم المصادقة عليها في المجلس الحكومي وتحظى بعد ذلك بدعم الأغلبية البرلمانية، مما يقلل من احتمال الطعن فيها من الجهة صاحبة المبادرة التشريعية.
وتبعًا لذلك، فإن فرضية تفويض رئيس الحكومة هذا الاختصاص إلى أحد أعضاء الحكومة، ومن بينهم وزير العدل، تظل ضعيفة جدًا، وإن كانت مُمكنة من حيث المَبدأ. ومن يدري فَقد يفعلها وزير العدل الحالي في حالة لم تقم المعارضة بدورها لتكون سابقة في تاريخ القضاء الدستوري بالمغرب، لفحص مَدى دستورية قانون العدول الذي أثار جدلا واسعا، وانتقادات لاذعة للحكومة خاصة ما يتعلق بحرمانها التوثيق العدلي من حساب الودائع وإبقائه حكْرا على التوثيق العَصْري.