إن أول ما تطرقت له البنيوية في سبيل تدعيم حضورها هي التعطيل المؤقت والمقصود للمحور التاريخي، بغية فحص الأدب في جوهره، لأنها تعتبره بنية أدبية قائمة بذاتها، ولا ترتبط بأي جانب خارجي عن النص سواء كان هذا الجانب يتعلق بالكاتب أو مزاجه أو نرى هذا الاقتران بنظرية رومان جاكوبسن عن وظائف الكلام طبقا لمنظومة المُرسِل والمُستقبِل ووسيلة الاتصال والشفرة والسياق، وتمثلت لديه وظائف الكلام في ستة جوانب أبرزها الوظيفة التي يتم فيها التركيز على الوظيفة الشعرية والتي تكمن في أدبية الأدب والتي ينادي إليها النقاد البنيويون.
فنظرية الاتصال بعناصرها الستة تشمل كل وظائف الكلام بما فيها الوظيفة الأدبية، فالقول يتم عبر إرسال المُرسِل مضمونا إلى المُستقبِل ويحتاج إلى سياق الذي يُحال إليه المتلقي والشفرة وهي الخاصية الأسلوبية لرسالة النص ووسيلة الاتصال تكون مادية أو ذهنية للربط بين المُرسِل والمُستقبِل ويُعتبر المنهج البنيوي الذي يرى من خلال تصوره العالم، ما يظل أصيلا فهو المَركز أو الشكل الثابت أو أيضا البنية الشكلية للتحولات وبالذات تباين وظيفة القول في إخبارية أو نفعية أو عاطفية أو أدبية كما أوضح ذلك جاكوبسون. إن علماء الأنثروبولوجيا وفي طليعتهم العالم ليفي شتراوس قد استوعب بفطنته أن المنهج التاريخي والاجتماعي وتحليل العلاقات لا يُسفر عن نتائج حاسمة و أن النموذج اللغوي قد يكون أكثر مساعدة وأكثر إثماراً، وقد تلاقى مع جاكوبسون في هذه التصورات فكتبا سوية تحليلا بنيويا لقصيدة القطط لبودلير والتي كانت نقطة بداية التطبيق الفعلي للنقد البنيوي ما يمكن أن يؤديه النقد إنما هو توليد مغزى معين مستمد من الشكل الذي هو الأثر الأدبي ذاته، فالنقد يفكك المعاني المتعددة ويجعل نوعا من اللغة يطفو فوق اللغة الأولى للنص اعتمادا على ضرورة تماسك الإشارات بينهما
أما الفاعلون فهم رموز لغوية تُصنف ضمن المكوّن القصصي، في الحقل الظاهري باعتبارها وحدات تركيبية نحوية، لا تنال صفتها بصورة أساسية إلا بتحميلها تأويلاً للفاعلية الكامنة في الحقل الخفي استناداً إلى مفهوم الشخصية عند أرسطو، الذي يعده مفهوماً تابعاً، خاضعاً تماماً لمفهوم العمل لأن هناء الإنسان وشقاءه يتخذان صيغة العمل وغاية ما يتطلع إليه في المعيشة هو نمط معين من العمل.
شكلت هذه البوادر، ركيزة أساسية في مجال التحليل البنيوي، إذ ازداد اهتمام النقاد والباحثين، ببنية النص ومكوناته المتناغمة، كما تبين على مَركزه ووحداته الوظيفية، وإشاراته الدلالية المتناسقة والمتكاملة، فتعددت البحوث، وتنوعت مساراتها، ولعل المسار الأول يمثله بارث ويهدف إلى بيان النظام البنائي للحكاية وآلياتها التتابعية، يُشير هذا النمط من البحوث على الاتجاه البنيوي أما المسار الثاني فيمثله غريماس ويُدعى الاتجاه السيميائي.
إن الهدف من هدا المرور السريع ليس إعطاء الدروس وإنما القول أن جلوس متخصص التواصل في اجتماعات عمل أو جلسات ودية لا يعدو أن يكون عشوائيا، بل يتسم بالتحليل الذي يعتمد على ملاحظة دقيقة لعدة مستويات من التفاعل. الفكرة الأساسية هي فهم ما يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال.
من خلال تحليل المحتوى (What is said) وذلك بالتركيز على المواضيع المتكررة المشاكل أو المخاوف المطروحة، التناقضات في الكلام، الكلمات العاطفية (خوف، غضب، إحباط…)،
ثم تحليل اللغة غير اللفظية (How it’s said) من خلال نبرة الصوت (مرتفع، منخفض، متردد…)، تعابير الوجه، لغة الجسد (انغلاق، توتر، ارتياح…) وفترات الصمت أو التردد، ثم تحليل السياق (Why it’s said)ما الذي دفع الشخص لقول هذا الآن؟ ما العلاقة بين المشاركين؟ هل هناك ضغوط خارجية تؤثر على الحوار؟
ثم تحليل الديناميكيات بين الأطراف في الجلسات الجماعية أو الثنائية: من يسيطر على الحديث؟ من يتجنب الكلام؟ هل يوجد صراع خفي أو تحالفات؟ثم تحديد الأنماط (Patterns) من خلال البحث عن التكرار، نفس المشكلة تظهر بصيغ مختلفة وردود فعل متشابهة في مواقف مختلفة وطرق تواصل غير فعالة (مثل المقاطعة أو الدفاعية)
ثم إعطاء تفسير أو فرضيات وتقديم ردود (Feedback) بأسلوب مهني وغير هجومي، توضيح نقاط القوة في التواصل، اقتراح طرق لتحسين الحوار وطرح أسئلة تساعد الشخص على الوعي بنفسه.
ختاما يستحسن القول أنه يجب على خبير التواصل العمل كمرآة ذكية يرى ما وراء الكلام: المشاعر، النوايا، والعلاقات، وليس فقط الكلمات.