1. مدخل نظري: من سؤال المنهج إلى فخّ الموقف
من خلال قراءات متراكمة في عدد من النصوص الفقهية والمقاصدية، انتهينا إلى فرضية منهجية نعرضها للاختبار والنقاش، مفادها:
«العائق الإيديولوجي في النص يظهر عندما ينتقل الكاتب من التأصيل الفقهي العام إلى تحديد مواقف سياسية وهوياتية — كالانتخابات والوحدة الوطنية — باعتبارها ‘واجب الوقت’، دون بيان منهج الاستنباط الذي أدى إليها. بذلك يتم استبدال النقاش الإبستمولوجي — كيف ننتج الحكم الشرعي — بتوجيهات جاهزة تعكس اختيارات إيديولوجية، لا نتائج اجتهادية مُفصَّلة.»
هذه الفرضية لم تنبثق من فراغ، بل جاءت نتيجة تتبّع دقيق لتحوّل بعض الخطابات الفقهية من سؤال المنهج إلى سؤال الموقف؛ من تحليل النص والواقع إلى إنتاج توجيهات سياسية وهوياتية تُقدَّم في صورة أحكام شرعية مكتملة. في هذه اللحظة يظهر العائق الإيديولوجي بوصفه موضع الإخفاء الذي يُخفي مسار الاستنباط ويُبرز النتيجة وحدها.
2. بنية معرفية تتكرر: من فقه المرحلة إلى الاقتصاد الإسلامي
انطلاقًا من هذه الفرضية، يتضح أن ما نواجهه ليس مجرد انزلاقات فردية، بل بنية معرفية تتكرر في مشاريع واسعة مثل: فقه المرحلة، وأسلمة المعرفة، وفقه النوازل، والاقتصاد الإسلامي.
في هذه المشاريع يختلط الإبستمولوجي بالإيديولوجي؛ فيُعاد تشكيل الحكم الشرعي وفق رهانات اللحظة السياسية أو الهوياتية، أكثر مما تُعاد قراءة اللحظة وفق مناهج الاستنباط. فالاقتصاد الإسلامي، مثلاً، تحوّل في كثير من أدبياته من سؤال: كيف نبني نظرية اقتصادية منضبطة؟ إلى سؤال: كيف نمنح شرعية دينية لبدائل جاهزة؟ وبذلك يصبح «البديل الإسلامي» نتيجة مسبقة تبحث عن تأصيل، لا ثمرة مسار منهجي معلن.
3. الريسوني نموذجاً: من مقاصد مقاومة الظلم إلى توجيه سياسي مباشر
يقدّم أحمد الريسوني في كتابه فقه الاحتجاج والتغيير تأصيلاً عاماً يقوم على مقاصد مقاومة الظلم ورفع الاستبداد، وهو تأصيل قوي على مستوى المبادئ الكلية. لكن اللافت هو الانتقال السريع من هذا المستوى الكلي إلى مواقف سياسية جاهزة تُقدَّم باعتبارها «واجب الوقت»: الدعوة إلى عزل رئيس دولة، تزكية ثورات معيّنة، الدعوة إلى إصلاحات دستورية محدّدة…
هذا الانتقال يتمّ دون بيان منهج الاستنباط الذي يربط بين القاعدة الكلية والحكم الجزئي، ودون تحديد مناطات الأحكام أو ضوابط تنزيل المقاصد على الواقع. هنا يتجلى العائق الإيديولوجي: تتحوّل المقاصد إلى أداة تبرير لاجتهادات سياسية مسبقة، ويصبح «واجب الوقت» غطاءً شرعياً لاختيارات إيديولوجية، لا نتيجةً لمسار اجتهادي معلن. بهذا المعنى، لا يعود السؤال: كيف نُنزل المقاصد؟ بل: كيف نجعل المقاصد تخدم الموقف الذي تبنيناه سلفاً؟
4. ابن عاشور: أثر الصراع الإصلاحي في تشكيل المقاصد
يكشف التأمل في اختيارات ابن عاشور المقاصدية عن ثلاث مراتب من التداخل بين الأصول النصية والرهانات التاريخية، لا تنتهي إلى حكم كتلي واحد:
أولاً: مقصد «الفطرة» — له جذور قرآنية واضحة (سورة الروم: 30) وأصولية قبل ابن عاشور، لكن ترقيته إلى أصل مقاصدي كلي جاءت في سياق مواجهة غير معلنة مع الفقه الزيتوني الذي يقدّم الاتباع على الاجتهاد العقلي. هنا يعمل السياق على إعادة توجيه معنى نصي قائم ليكون أداة لإعادة توزيع السلطة الدينية، دون أن يكون المعنى مستحدثاً بالكامل.
ثانياً: مقصد «النظام» — يُظهر تأثراً واضحاً بالدولة الحديثة التي فرضها الاستعمار، حيث يُعاد تعريف الشريعة بوصفها قادرة على إنتاج انتظام اجتماعي يوازي النظام القانوني الحديث. هذا المقصد أقرب إلى الاستلهام السياقي مع تغييب نسبي للجذور النصية المباشرة، مما يجعله اختياراً ذا خلفية سياسية بارزة.
ثالثاً: «العدالة الاجتماعية» — تكشف عن تسرّب خطاب العدالة الحداثي إلى البناء المقاصدي، لكن مع وجود إمكانية لتأصيلها في مقاصد كلية كالعدل والقسط. ورغم ذلك، فإن الصياغة الجديدة التي تقدّمها تستوعب مفاهيم اجتماعية حديثة دون اعتراف صريح بالمصدر الخارجي، وهو ما يضعها في مرتبة المواءمة المقاصدية أكثر من الاستنباط الخالص.
خلاصة هذه المرتبات: لا يعمل «العائق الإيديولوجي» كقاطعة إبستيمية تمنع أي استقراء علمي، بل كمرشِّح سياقي يعيد ترتيب الأولويات ويوجّه التأويل. التحدي المنهجي ليس في وجود هذا المرشِّح، بل في الوعي به وتمييز درجات تأثيره: من إعادة التوجيه (كالفطرة) إلى الاستلهام الحدودي (كنظام الدولة) إلى المواءمة الاصطلاحية (كالعدالة الاجتماعية). بهذا التمييز نخرج من ثنائية «استقراء محايد / استجابة إيديولوجية» إلى قراءة أكثر دقة لاجتهاد ابن عاشور.
نحن هنا لا نُسقط قيمة الرجل العلمية، ولا نختزل مشروعه، لكننا نفتح ملفّ البنية التي تسمح للإيديولوجي بأن يعيد تشكيل المقاصد من الداخل. وهذا ملف يستحق نقداً مفصّلاً مستقلاً، نعدُّ به في القادم من الدراسات.
5. من نقد الأشخاص إلى تفكيك البنية
بهذا المعنى، نحن لا ندرس أشخاصًا بقدر ما ندرس الآلية التي تسمح للإيديولوجي بأن يعيد تشكيل الفقهي من الداخل. فالمشكل لا يقف عند الريسوني أو ابن عاشور أو منظّري الاقتصاد الإسلامي، بل يتجاوزهم إلى سؤال أعمق: كيف يتحوّل الفقه إلى منصة لتسويق المواقف بدل أن يكون منهجاً لضبطها ونقدها؟
إن اختزال «واجب الوقت» في موقف سياسي أو اقتصادي معيّن، دون كشف مسار الاستنباط، يعني عملياً تعليق العقل النقدي، وتحويل القارئ من شريك في إنتاج الفهم إلى متلقٍّ لتوجيهات جاهزة.
خاتمة: هذا المقال مدخل لا خاتمة
إن ما قدّمناه في هذه الصفحات ليس إلا مدخلاً أولياً لمشروع أوسع في تفكيك العائق الإيديولوجي داخل الصناعة الفقهية والمقاصدية. فتتبّع هذه النماذج يكشف أن هذا العائق لم يعد مجرد انحراف في التأصيل، بل أصبح آلية اشتغال تُعيد تشكيل الأحكام تحت ضغط اللحظة، وتُحوّل المقاصد من أدوات منهجية إلى أدوات تبرير.
ولذلك يتجه مشروعنا القادم إلى تفكيك هذا العائق تفكيكاً إبستمولوجياً، عبر: كشف لحظة انزلاق الخطاب من المنهج إلى الموقف، وتحليل اللغة التي تُخفي الاستنباط وتُبرز التوجيه، ورصد كيف تتحوّل المقاصد إلى أدوات تبرير، وإعادة بناء شروط إنتاج الحكم الشرعي خارج ضغط الهوية والسياسة.
إن الخروج من دائرة «التأصيل بالأصول» إلى نقد «التأصيل بالمواقف» ليس مجرد تعديل لغوي، بل تحوّل معرفي يعيد الاعتبار للفقه باعتباره علماً لإنتاج الفهم لا جهازاً لإنتاج المواقف. وبذلك نفتح أفقاً لخطاب فقهي ومقاصدي جديد، أكثر شفافية في منهجه، وأكثر تحرراً من إكراهات اللحظة، وأكثر قدرة على بناء معرفة لا تُصنع في ظلّ المواقف، بل تُصنع قبلها.