وجهة نظر

الزعامة القبلية بالصحراء المغربية.. ذاكرة الوفاء ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية وتنزيل مشروع الحكم الذاتي

تعد البنية التقليدية لساكنة الصحراء المغربية من أهم المكونات الاجتماعية والثقافية التي ساهمت عبر التاريخ في تشكيل هوية المجتمع الصحراوي والمحافظة على تماسكه واستقراره. فقد ظلت القبيلة، لقرون طويلة، إطارا تنظيميا واجتماعيا يؤطر حياة الأفراد والجماعات، ويضبط العلاقات الاجتماعية وفق منظومة من الأعراف والقيم الأصيلة القائمة على التضامن والتكافل والوفاء والانتماء. ولم تكن القبيلة في الصحراء مجرد وحدة اجتماعية بسيطة، بل مؤسسة متكاملة لعبت أدوارا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وأسهمت في حماية الأمن والاستقرار وربط المجتمع الصحراوي بعمقه الوطني والحضاري داخل الدولة المغربية.

وقد برز شيوخ القبائل الصحراوية باعتبارهم رموزا للحكمة والشرعية التاريخية والاجتماعية، حيث اضطلعوا بأدوار مركزية في تدبير شؤون القبائل، وحل النزاعات، وتأطير المواطنين، والدفاع عن المصالح الجماعية، فضلا عن دورهم البارز في الحفاظ على روابط البيعة والولاء للعرش العلوي المجيد. ومن خلال هذه الأدوار، أثبتت الزعامات القبلية الصحراوية أنها كانت دائما عنصر استقرار وسندا حقيقيا للوحدة الوطنية، لا سيما في الفترات الدقيقة التي واجه فيها المغرب تحديات سياسية واستعمارية استهدفت وحدته الترابية وتماسكه المجتمعي.

وفي هذا الإطار، شكلت القبائل الصحراوية حصنا منيعا للدفاع عن الوطن، وبرزت العديد من القبائل المجاهدة التي قدمت تضحيات جساما دفاعا عن الأرض والهوية والانتماء الوطني. ومن بين هذه القبائل العريقة، تبرز قبيلة أيت لحسن المجاهدة، التي طبعت تاريخ الصحراء المغربية بمواقف وطنية مشرفة، وأسهم أبناؤها وشيوخها في مقاومة الاستعمار والتشبث الدائم بمغربية الصحراء. فقد عرفت هذه القبيلة بروحها الوطنية الصادقة، وبانخراطها المستمر في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، حيث ظل شيوخها وأعيانها أوفياء لثوابت الأمة المغربية، مؤمنين بأن حماية الوطن مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال.

وانطلاقا من هذا الإرث التاريخي والوطني، يأتي مؤلف الشيخ عبد الله الصالحي “الزعامة القبلية والوحدة الوطنية: ما قيل وما لم يُقل” ليشكل إضافة فكرية نوعية تعيد الاعتبار لمؤسسة الزعامة القبلية الصحراوية، وتسلط الضوء على أدوارها الحقيقية في بناء الدولة الوطنية المغربية. فالكتاب لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ، بل يقدم مقاربة نقدية عميقة تكشف أن القبيلة لم تكن يوما عائقا أمام بناء الدولة الحديثة، كما حاولت بعض القراءات الاختزالية تصويرها، بل كانت رافعة للاستقرار وفاعلا أساسيا في ترسيخ الوحدة الوطنية.

وقد استطاع الشيخ عبد الله الصالحي، من خلال هذا المؤلف، أن يكسر القاعدة السائدة التي ظلت تنظر إلى البنية القبلية باعتبارها مجرد امتداد للماضي، حيث أعاد تقديم الزعامة القبلية باعتبارها مؤسسة وطنية ذات شرعية تاريخية واجتماعية، لعبت أدوارا محورية في الحفاظ على التوازن المجتمعي وربط المواطن بمؤسسات الدولة.
كما نجح في إبراز البعد الأخلاقي والوطني لشيوخ القبائل الصحراوية الذين ما فتئوا، في مختلف المراحل، يقدمون الدليل على إخلاصهم لملكهم ووطنهم، من خلال مواقفهم الثابتة والداعمة للوحدة الترابية وللثوابت الوطنية للمملكة المغربية.

ويبرز الكتاب كذلك أهمية القبيلة كفضاء للتماسك الاجتماعي والتأطير المجتمعي، خاصة في الأقاليم الصحراوية التي حافظت فيها الروابط التقليدية على قدر كبير من الانسجام والاستقرار. كما يوضح المؤلف أن شيوخ القبائل لم يكونوا مجرد شخصيات رمزية، بل كانوا وسطاء فعّالين بين الدولة والمجتمع، يساهمون في حل المشاكل الاجتماعية، وتقوية الثقة بين المواطن والمؤسسات، والمشاركة في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية.

ومن الجوانب المهمة التي يتوقف عندها المؤلف، دعوته إلى إعادة إدماج البعد القبلي في الرؤية التنموية الحديثة بشكل عقلاني ومتوازن، بعيدا عن النظرة النمطية التي تحصر القبيلة في الماضي. فالكتاب يدافع عن فكرة أساسية مفادها أن الزعامة القبلية يمكن أن تكون شريكا حقيقيا في التنمية، بما تمتلكه من شرعية اجتماعية وقدرة على التأطير والتواصل، وهو ما يجعلها عنصرا داعما لمشاريع الإصلاح والتحديث داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة.

كما يحمل هذا المؤلف بعدا فكريا عميقا من خلال ربطه بين التاريخ الاجتماعي للقبيلة وبين مفاهيم الدولة والوحدة الوطنية، في انسجام واضح مع الرؤية المغربية القائمة على التعدد والتكامل بين مكونات الهوية الوطنية. فالشيخ عبد الله الصالحي لا يدعو إلى العودة إلى الماضي بقدر ما يدعو إلى الاستفادة من عناصر القوة داخل البنية التقليدية لخدمة الحاضر والمستقبل، عبر بناء نموذج تنموي متوازن يحافظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للصحراء المغربية.

ويكتسي هذا العمل الفكري أهمية خاصة في السياق الوطني والدولي الراهن، حيث تعرف قضية الصحراء المغربية تحولات سياسية ودبلوماسية مهمة تعزز مكانة المغرب ومصداقية مبادرته للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به شيوخ القبائل الصحراوية والأعيان في مواكبة هذا الورش الوطني الكبير، باعتبارهم فاعلين اجتماعيين يمتلكون الشرعية التاريخية والقرب من الساكنة، وقادرين على الإسهام في تعزيز الانخراط الجماعي في مشاريع التنمية والاستقرار.

وفي ختام هذا الطرح، يتأكد أن شيوخ القبائل الصحراوية ما زالوا يشكلون ركيزة أساسية في الدفاع عن الوحدة الوطنية وترسيخ قيم التلاحم بين العرش والشعب، كما يواصلون أداء أدوارهم الوطنية بكل مسؤولية ووفاء. ويظل مشروع الحكم الذاتي، الذي يحظى بدعم دولي متزايد باعتباره الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، محطة مفصلية تبرز أهمية انخراط هذه الزعامات التقليدية في تنزيله على أرض الواقع. كما أن القرار الأممي 2797 جاء ليؤكد أولوية الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، وهو ما يعزز من مسؤولية شيوخ القبائل الصحراوية في مواكبة هذا المسار، عبر تأطير الساكنة، وتعزيز روح الانتماء الوطني، والمساهمة في إنجاح النموذج التنموي الجديد بالأقاليم الجنوبية، بما يرسخ مغربية الصحراء ويؤكد تشبث أبناء المنطقة بملكهم ووطنهم ووحدتهم الترابية.