في لحظات التحول السياسي التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، يفترض أن تحتدم النقاشات حول البرامج، وتصقل الرؤى، وتعرض البدائل. غير أن ما نشهده في المغرب، ونحن على أبواب انتخابات تشريعية تلقي بظلالها مبكرا على المشهد العام، يدفعنا إلى طرح سؤال مقلق.. هل نمارس السياسة فعلا، أم أننا ننخرط في خصومة مفتوحة، يغلب عليها الفجور في الخطاب، والانشغال بالسلوك الفردي، بدل التنافس حول الأفكار والسياسات؟
هذا السؤال لا يهدف إلى جلد الذات بقدر ما يسعى إلى تفكيك ظاهرة انزياح النقاش السياسي من حقل العمومي إلى حقل الشخصي، ومن مساءلة السياسات إلى تتبع الزلات، ومن تقييم الأداء إلى تصفية الحسابات. انزياح لا يهدد فقط جودة الممارسة السياسية، بل يقوض ثقة المواطن في جدوى السياسة نفسها.
السياسة في تعريفها الكلاسيكي، هي فن تدبير الاختلاف. وهي تقوم على التنافس المشروع بين رؤى متعددة حول كيفية إدارة الشأن العام، وتوزيع الموارد، وتحقيق العدالة الاجتماعية. لكن هذا التنافس يفترض شروطا أساسية أهمها احترام الخصم، والتركيز على البرامج، والاحتكام إلى الحجة، وقبول قواعد اللعبة الديمقراطية.
غير أن ما نلاحظه في السياق المغربي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، هو تراجع هذه القواعد لصالح منطق الخصومة. والخصومة هنا لا تعني مجرد الاختلاف، بل تعني الانتقال إلى استهداف الشخص بدل الفكرة، والتشكيك في النوايا بدل مناقشة المشاريع، واستدعاء الحياة الخاصة بدل مساءلة السياسات.
من يتابع النقاشات السياسية الدائرة حاليا، سواء داخل البرلمان أو عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، يلاحظ بسهولة هذا التحول. فبدل أن نسمع نقاشا عميقا حول إصلاح التعليم، أو سياسات التشغيل، أو تدبير التضخم وغلاء المعيشة، نجد أنفسنا أمام سجالات تدور حول أخطاء فردية، أو تصريحات قديمة، أو حتى تفاصيل لا علاقة لها بالشأن العام.
فحين تطرح قضية ارتفاع الأسعار وتأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين، على سبيل المثال، يفترض أن ينصب النقاش على السياسات الاقتصادية المتبعة. هل هناك فشل في ضبط الأسواق؟ وهل الدعم موجه بشكل عادل؟ وهل هناك بدائل ممكنة؟ لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن يتحول النقاش إلى تبادل الاتهامات بين الفاعلين السياسيين، كل طرف يسعى إلى تحميل المسؤولية للآخر، لا عبر تفكيك السياسات، بل عبر التشكيك في كفاءته أو نزاهته أو حتى تاريخه الشخصي.
وفي حالات أخرى، نرى كيف يتم استغلال هفوة لفظية أو سلوك فردي لمسؤول سياسي لتحويله إلى محور نقاش عام، يستنزف فيه الوقت والجهد، بينما تغيب القضايا الحقيقية التي تمس حياة المواطنين. هذا النوع من النقاش قد يحقق مكاسب ظرفية لبعض الأطراف، لكنه في النهاية يفرغ السياسة من مضمونها.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون الإشارة إلى دور الإعلام، وخاصة الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. فهذه المنصات، بطبيعتها، تميل إلى تضخيم ما هو مثير وسريع الانتشار، وغالبا ما تكون القضايا الشخصية أكثر جاذبية من النقاشات التقنية المعقدة.
فحين يتحول تصريح عابر إلى “ترند”، أو حين تقتطع جملة من سياقها لتستعمل كسلاح في معركة سياسية، فإننا نكون أمام بيئة تغذي الخصومة بدل أن تشجع النقاش الرصين. والأسوأ من ذلك، أن بعض الفاعلين السياسيين أنفسهم ينخرطون في هذا المنطق، إما بدافع الدفاع عن الذات أو رغبة في تحقيق مكاسب انتخابية سريعة.
وما يزيد من حدة هذا الإشكال هو أننا نعيش، عمليا، حالة حملة انتخابية غير معلنة. فالأحزاب بدأت في التموقع، والخطابات اشتدت، والتحالفات تختبر، والكل يسعى إلى كسب نقاط لدى الرأي العام. غير أن هذه الحملة المبكرة، بدل أن تكون فرصة لعرض البرامج وتوضيح الرؤى، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة لتبادل الضربات.
وليس صعبا على أي متتبع للنقاش السياسي ببلادنا أن يلاحظ تصاعد حدة الخطاب بين بعض الأحزاب، حيث لا يكتفي كل طرف بانتقاد سياسات الآخر، بل يتجه إلى التشكيك في نواياه، أو التقليل من شأن قياداته، أو استحضار ماضيه بشكل انتقائي. هذا الأسلوب قد يحقق تعبئة سريعة للأنصار، لكنه يكرس ثقافة سياسية سلبية، تقوم على الإقصاء بدل التنافس.
في التراث الإسلامي، يحذر من “الفجور في الخصومة”، وهو أن يتجاوز الإنسان حدود الحق في جداله، فيكذب أو يبالغ أو يشوه الحقائق. والفجور في كثير من الأحاديث النبوية علامة من علامات النفاق. وإذا أسقطنا هذا المفهوم على بعض الممارسات السياسية الحالية، نجد أنه ينطبق بشكل مقلق.
والفجور في الخصومة يظهر حين يتم تعميم أخطاء فردية على جماعة بأكملها، أو حين يتم تحريف مواقف الخصم لتسهيل مهاجمته، أو حين تستعمل الإشاعات كسلاح سياسي. كما يظهر حين يتم تجاهل الإنجازات القليلة للخصم، والتركيز فقط على سلبياته، في صورة أحادية لا تعكس الواقع.
هذا النوع من الخطاب لا يضر فقط بالخصم، بل يضر بالفضاء السياسي ككل. لأنه يخلق مناخا من عدم الثقة، ويضعف إمكانية التعاون، ويبعد الكفاءات الجادة التي ترفض الانخراط في هذا المستوى من السجال.
والنتيجة المباشرة لهذه الممارسات هي تآكل ثقة المواطن في السياسة. فحين يرى المواطن أن النقاشات تدور حول الأشخاص لا حول القضايا، وأن الخطاب يغلب عليه التراشق بدل التحليل، فإنه يشعر بأن السياسة لا تعنيه، أو أنها مجرد لعبة نخبوية لا تأثير لها على حياته.
هذا الشعور قد يترجم إلى عزوف عن المشاركة السياسية، سواء عبر التصويت أو الانخراط الحزبي. وهو ما يشكل خطرا على الديمقراطية، التي تقوم أساسا على مشاركة المواطنين. فكلما ابتعد المواطن عن السياسة، ترك المجال مفتوحا أمام ممارسات أقل شفافية وأقل مساءلة.
ورغم هذا التشخيص القاتم، فإن الأمل في تصحيح المسار لا يزال قائما. لكن ذلك يتطلب جهدا جماعيا من مختلف الفاعلين.
فعلى الأحزاب السياسية، وهي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، أن تعيد النظر في استراتيجياتها التواصلية، وأن تدرك أن كسب ثقة المواطن لا يتم عبر تشويه الخصوم، بل عبر تقديم بدائل مقنعة. ويجب أن يكون التركيز على البرامج، وعلى القدرة على التنفيذ، وعلى تقديم حلول واقعية لمشاكل الناس.
أما الإعلام فهو مدعو إلى لعب دور أكثر مهنية، عبر إعطاء مساحة أكبر للنقاشات الجادة، واستضافة الخبراء، وتحليل السياسات، بدل الاكتفاء بنقل التصريحات المثيرة. كما يجب عليه أن يتحرى الدقة، وألا ينساق وراء الإثارة على حساب الحقيقة.
والمواطن بدوره يجب عليه ألا يكون مجرد متلق سلبي. إذ يمكنه أن يساهم في توجيه النقاش عبر رفض الانخراط في حملات التشويه، ومطالبة السياسيين بمناقشة القضايا الحقيقية. فكلما ارتفع مستوى الطلب المجتمعي على نقاشات جادة، اضطر الفاعلون السياسيون إلى الارتقاء بخطابهم.
ولا بد من استحضار البعد الأخلاقي في العمل السياسي. فالديمقراطية ليست فقط آليات انتخابية، بل هي أيضا ثقافة تقوم على الاحترام والنزاهة والصدق. ومن دون هذه القيم، ستتحول السياسة إلى صراع فارغ.
قد يقول قائل إن ما نشهده في المغرب ليس استثناء، وأن السياسة في كل مكان تعرف هذا النوع من التوتر والخصومة. وهذا صحيح إلى حد ما. لكن الفرق يكمن في درجة هذا السلوك، وفي مدى تأثيره على جودة النقاش العام.
في العديد من الديمقراطيات، رغم حدة الصراع السياسي، يبقى هناك حد أدنى من التركيز على البرامج، ومن احترام قواعد اللعبة. أما حين يطغى الشخصي بشكل شبه كامل على النقاش، فإننا نكون أمام خلل يحتاج إلى معالجة.
وجوابا على سؤالنا الأول هل نمارس السياسة أم الخصومة؟ الجواب، للأسف، هو أننا نمارس الاثنين معا، لكن ميزان الكفة يميل أحيانا بشكل مقلق نحو الخصومة.
واستعادة المعنى الحقيقي للسياسة في المغرب ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة صادقة من الفاعلين، وضغطا إيجابيا من المجتمع، ووعيا متزايدا بأن المستقبل لا يبنى بالتشهير، بل بالأفكار.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، قد تكون هذه فرصة لإعادة توجيه البوصلة. فبدل أن تكون الحملة ساحة لتصفية الحسابات، يمكن أن تتحول إلى فضاء لعرض المشاريع، ومناقشة البدائل، وإقناع المواطن.
عندها فقط، يمكن أن نقول إننا نمارس السياسة… لا الخصومة.