استيقظت متأخرا ولم أنتبه أنه يوم 16 ماي إلا وأنا أغط في تصفح هاتفي ومتلاشيات ما كتب ونشر الليلة الفارطة. سريعا استدركت أنه تاريخ فارق، له وقع خاص وذكرى أليمة: ذكرى أحداث كازا الإرهابية لليلة 16 ماي 2003 أي ثلاثة وعشرين سنة خلت.
لحد الساعة، لا يضربنا الإرهاب كثيرا وبشكل ممنهج لحرص الأجهزة الأمنية الشديد والتي تفكك الإرهاب في مهده المتربص. ما قبل البارحة فقط تم تفكيك خليتين واحدة باليوسفية والثانية بميدلت. ثم لا يضربنا الإرهاب كثيرا بالنظر “لتدرويشيت” المغاربة الفطرية وولعهم بالسلام والسكًينة وانضباطهم العقدي والأمني، باستثناء ذئاب منفردة تتسلل وتخطط لإسقاط سكينة وأمن المغاربة في وحل الدم.
لكن الخطر الحال يبقى محذقا ولي أكثر من مبرر لأحس بالخوف:
أولا، دخل المغرب معترك الريادة الإقليمية والقارية. وهذا له ثمن أمني محايث. لا يؤدي المغرب فقط فاتورة تنميته في سياق تنافسي عالي، بل يؤدي ايضا كلفة أمنه الداخلي وأمن حدوده. وإذا كان الجوار معطى محفزا لنماء دول غرب أوروبا مثلا، فإن جوار المغرب هي عقبة حقيقية أمام صيرورة نماءه. الجوار الجزائري متربص بنا بشكل لا يطاق وله ميول في استعمال كل الوسائل وكل المواد وكل السوائل وكل شيء فقط لجز العشب من تحت أقدام المغاربة. أحداث أطلس أسني الارهابية سنة 1994 في نفس سنة استضافه مراكش لمؤتمر الگاط العالمي، كانت وفق كل التحقيقات أحداثا بفعل فاعل جزائري. “الجزائروفوبيا” Algerophobie ليست دعاية ايديولوجية مسكرة بل هو واقع أمني تثبت الأيام خطورته. وهي اليوم انتقلت من واقع مواجهة وتربص مكشوف ومباشر إلى واقع آخر خطير ومنفلت وهو تغذية وتسمين ورعاية وتسليح “جرذان منفلتة” تعيش وسط “قادوس” آسن اسمه الساحل يمتد من البحر الأحمر للمحيط الأطلسي. اذن الخلايا الإرهابية المتربصة ليست وسط “كاراج علال” أو “بنجدية” أو تحت قنطرة “واد زملان” وإنما تعيش تحت الأرض في “نفق الموت” على بعد آلاف الكيلومترات.
ثانيا، هناك الأزمات الاقتصادية. ولسنا بعد جديين في حساب فاتورتها الأمنية بدقة. وعندنا أرقام مهولة تنذر بالخوف وانا لست ابدا من دعاته الديماغوجيين: أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي بوجود أكثر من ثلاث ملايين شاب يعيشون ليس تحت عتبة الفقر بل يعيشون بيننا خارج عتبة كل المؤسسات والأنظمة والبرامج والسياسات. شباب لاتشملهم صحة ولا يدمجهم تعليم ولا يحتويهم سوق شغل. فقط مؤسسة واحدة تحاول تعقبهم وإحاطتهم هي المؤسسة الأمنية. هذا التضخم الأمني مقلق ويتجاوز قدرات مؤسسات إنفاذ القانون. نضيف على ثلاثة ملايين “جانح محتمل” مئات آلاف التلاميذ الذين تنقضي حياتهم المدرسية والتعليمية والتكوينية قبل الباكالوريا ّحيث 26% فقط منهم من يحصل على الشهاده التي تلهيه نسبيا عن الجنوح وتمنحه أملا في الاندماج. ووزير التعليم، رغم سذاجته التواصلية وتهربه من المسؤولية، كان محقا لما ربط الهدر المدرسي بعنف وشغب ملاعب كرة القدم. هو يوجه الاتهام للهدر المدرسي أما أنا فأوجه اللوم رأسا لكرة القدم هذه التي وضعناها بديلا لأمور أكثر هيكلية.
ثالثا. خطاب الأزمة السياسي. فالأحزاب اليوم، وهي تدخل حرب حملة انتخابية مستعرة، توجهت صوب الأزمة الإقتصادية لترش عليها بهارات الدعاية والتجييش. كل الفاعلين اليوم وبدون استثناء اصبحوا يتفننون في خلق مصطلحات هجينة لإرباك الاستيعاب العام. كلهم يتهمون جهات مسماة “فراقشية” بسرقة قوت المغاربة اليومي ولا أحد فسر لنا معنى هذه الفئة وأشار لنا بمكانها وأسماء زعماءها واسماء من يحميها ويغذيها. خطاب السياسة حول الأزمة يخدم كثيرا أحاسيس النفور وعدم الثقة وانسداد الأمل ثم يخدم أيضا التطرف والإرهاب والعنف المؤجل والفعلي. طبعا لا أتهم بعض الأحزاب في صناعة الإرهاب بشكل إرادي، لكنها تغذت من الأزمة طويلا وانتقلت لتغذية تطرف فكري وديني اتجاه الدولة ومؤسساتها وليس غريبا ترابطات الفكر الارهابي بهذا النوع من التطرف.الخطاب السياسي وهو يؤثت أجندة دعاياته يعمل على تدوير الحنق الاجتماعي وجعله بوصلة الرؤية الوحيدة الواقعية.
الحكومة المقبلة لها تحدي تنظيم كأس العالم…هذا في واجهة الأشياء. لكن التحدي الكبير أمامها هو جعل المونديال فرصة ورافعة لتحويل مؤشرات بنيات المونديال لبنيات تنمية حقيقية يكون فيها شباب المغرب في وسط محور البرامج لا على خطوط هوامشها. المونديال مع الفقر والهشاشة لا يستقران وسنغامر وسط هذه الجذبة السياحية العالمية بخلق عوالم تحت أرضية عامرة بالمستأذبين Underworlds.