الجامعة والقانون في زمن اللوبيات
وجهة نظر

الجامعة والقانون في زمن اللوبيات

في المغرب، كما في عدد من الدول المعاصرة، لم يعد النقاش حول الجامعة والتعليم العالي مجرد نقاش بيداغوجي أو تقني، بل أصبح يرتبط بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة المجتمع الذي نريده، وبالدور الذي ينبغي أن يلعبه القانون والمعرفة في بناء التنمية وتوجيه الدولة. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بتحديث المناهج أو تحسين قابلية التشغيل، بل بمكانة الجامعة داخل التوازنات الكبرى للمجتمع، وبقدرتها على إنتاج الفكر الحر والفقه القانوني المستقل، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق واللوبيات ومراكز النفوذ على التشريع والسياسات العمومية.

لقد كان القانون، في التصورات الفلسفية الكبرى، أكثر من مجرد وسيلة لتنظيم الواقع كما هو قائم. فالفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل رأى في القانون تجليا للعقلانية الحديثة، وأداة لتنظيم المجتمع وفق تصور أخلاقي وسياسي يتجاوز المصالح الفردية الضيقة. كما اعتبر الفقيه الأمريكي روسكو باوند أن القانون يؤدي وظيفة “الهندسة الاجتماعية”، أي إعادة تنظيم المصالح داخل المجتمع بما يحقق التوازن والاستقرار والتطور. وبذلك، لم يكن القانون مجرد انعكاس للواقع، بل وسيلة لتوجيهه والارتقاء به.

غير أن هذا الدور الإصلاحي للقانون يواجه اليوم تحديات متزايدة، مع تصاعد تأثير جماعات الضغط الاقتصادية والمهنية والسياسية والتقنية على صناعة القرار العمومي. فالمشكل لم يعد في وجود المصالح في حد ذاتها، لأن ذلك أمر طبيعي في كل المجتمعات، بل في تحول بعض هذه المصالح إلى قوة قادرة على التأثير في اتجاه التشريع نفسه، بما يجعل القانون أحيانا أقرب إلى الاستجابة للتوازنات الظرفية منه إلى التعبير عن المصلحة العامة بعيدة المدى.

وهنا يطرح السؤال الجوهري: من الذي يملك القدرة على حماية الوظيفة الإصلاحية للقانون حين يصبح المشرع نفسه معرضا لضغط الواقع والنفوذ؟
الجواب التاريخي كان دائما: الجامعة.

فالجامعة، في معناها الحضاري، ليست مجرد مؤسسة للتكوين المهني، بل فضاء لإنتاج الأفكار والنظريات والرؤى النقدية التي تسمح للمجتمع بفهم ذاته وتجاوز أزماته. ولهذا ارتبطت الجامعة الحديثة، منذ نموذج المفكر الألماني فيلهلم فون هومبولت، بفكرة الاستقلال الأكاديمي وحرية البحث العلمي، باعتبارهما شرطين لإنتاج معرفة حرة غير خاضعة مباشرة للسلطة أو السوق. فالجامعة لا تكتفي بإعداد الأفراد لممارسة المهن، بل تؤدي وظيفة أعمق تتمثل في إنتاج الفكر القادر على مساءلة القانون والسياسة والاقتصاد والمجتمع نفسه.

وفي المغرب، يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة. فإصلاحات التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة اتجهت بشكل واضح نحو تعزيز “ملاءمة التكوين مع سوق الشغل”، وربط الجامعة أكثر بالحاجيات الاقتصادية والمهنية. ولا شك أن المجتمع يحتاج إلى كفاءات مؤهلة وقادرة على الاندماج في الدورة الاقتصادية، لكن الخطر يبدأ حين تتحول “المهننة” إلى فلسفة شاملة تختزل الجامعة كلها في وظيفة إنتاج الموارد البشرية فقط.

ذلك أن المجتمع لا يتطور بالمهارات التقنية وحدها، بل أيضا بالأفكار والنظريات والقدرة على النقد والإبداع والتفكير في المدى البعيد. فكل التحولات الكبرى في التاريخ — من دولة القانون إلى حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية — بدأت أولا كأفكار نظرية داخل الجامعة والفكر الأكاديمي، قبل أن تتحول إلى مؤسسات وتشريعات وسياسات عمومية.

لهذا فإن إضعاف العلوم النظرية والفقه القانوني والفلسفة والبحث الأساسي لا يمثل مجرد تحول بيداغوجي، بل تحولا يمس التوازن الفكري داخل المجتمع نفسه. فحين تصبح قيمة المعرفة مرتبطة فقط بقابليتها للتشغيل الفوري، تتراجع الوظيفة النقدية للجامعة، ويصبح المجال العمومي أكثر خضوعا لمنطق النفوذ والمصلحة والنجاعة التقنية الضيقة.

وقد نبه مفكرون كثر إلى هذه المخاطر. فالسوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو حذر من خضوع الجامعة لمنطق السوق، لما قد يؤدي إليه ذلك من إضعاف استقلال المعرفة وتحويلها إلى مجرد رأسمال قابل للاستثمار. كما انتقد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس هيمنة “العقل الأداتي”، أي اختزال الإنسان والمعرفة والمؤسسات في منطق المردودية التقنية فقط، بما يؤدي إلى تراجع البعد القيمي والنقدي داخل المجتمع الحديث.

وفي المجال القانوني تحديدا، يصبح هذا الخطر أكثر وضوحا. فالفقه القانوني لا يقتصر على شرح النصوص، بل يؤدي وظيفة فكرية وأخلاقية تتمثل في نقد التشريعات، وتحليل آثارها، والتنبيه إلى ما قد يصيبها من اختلال أو خضوع للمصالح الظرفية. ولذلك كانت كليات الحقوق في المغرب، تاريخيا، أكثر من مجرد مؤسسات للتكوين الأكاديمي؛ فقد ساهمت في تكوين النخب القانونية والإدارية والسياسية، وفي إنتاج النقاش حول الدولة والإصلاح والدستور والعدالة.

إن الجامعة المستقلة ليست “برجا عاجيا” منفصلا عن المجتمع، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي إحدى المؤسسات القليلة القادرة على الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة والسوق واللوبيات. وهي، بهذا المعنى، تؤدي وظيفة ضرورية لحماية جودة التشريع نفسه، ولضمان ألا يتحول القانون إلى مجرد أداة لإدارة موازين القوى.

فحين تُختزل الجامعة في التمهين فقط، يصبح المجتمع غنيا بالتقنيين وفقيرا بالمفكرين؛ قادرا على تشغيل المؤسسات، لكنه عاجز عن مساءلة الاتجاه الذي يسير نحوه. وحين يضعف الفقه القانوني المستقل، يصبح التشريع أكثر عرضة للضغط والنفوذ، وأقل قدرة على أداء وظيفته الإصلاحية والتنموية.

إن المغرب، وهو يسعى إلى بناء نموذج تنموي حديث، لا يحتاج فقط إلى مهندسين وتقنيين ومدبرين، بل يحتاج أيضا إلى جامعة قوية ومستقلة، وإلى فقه قانوني حي، وإلى نخب قادرة على التفكير في العدالة والمصلحة العامة وجودة التشريع والمستقبل البعيد للدولة والمجتمع.

لأن التنمية ليست مجرد نمو اقتصادي، بل أيضا بناء للعقل النقدي الذي يحمي المجتمع من اختزال القانون في المصلحة، واختزال الجامعة في السوق، واختزال الإنسان نفسه في مجرد كفاءة قابلة للاستعمال.