وجهة نظر

هل حان وقت مراجعة الجزائر لموقفها من قضية الصحراء المغربية؟

منذ ما يزيد على خمسة عقود، جعلت الجزائر من قضية الصحراء المغربية أحد أبرز محاور سياستها الخارجية، وسخّرت لهذا الملف إمكانيات سياسية ودبلوماسية وإعلامية ومالية كبيرة. غير أن التطورات التي شهدتها القضية خلال السنوات الأخيرة تطرح اليوم تساؤلاً مشروعاً: هل آن الأوان لمراجعة هذا الرهان في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة؟

لقد تمكن المغرب، خلال السنوات الأخيرة، من تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة بفضل رؤية استراتيجية واضحة وعمل دبلوماسي متواصل. وأصبحت مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها سنة 2007 تحظى بدعم متزايد من عدد متنامٍ من الدول، التي تعتبرها حلاً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.

كما اختارت عدة دول فتح قنصليات عامة بمدينة العيون والداخلة، في خطوة تعكس دعماً عملياً لمغربية الصحراء. وبالموازاة مع ذلك، شهدت الأقاليم الجنوبية للمملكة دينامية تنموية ملحوظة شملت مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والاستثمار والطاقة المتجددة والموانئ والخدمات الاجتماعية، مما عزز مكانتها كقطب اقتصادي وتنموي واعد.

وفي المقابل، لم تتمكن الأطروحة الانفصالية المدعومة من الجزائر من تحقيق المكاسب السياسية والدبلوماسية التي كانت تراهن عليها خلال العقود الماضية. كما أن عدداً من الدول التي كانت تتبنى مواقف متحفظة أو غامضة أصبحت تميل بشكل متزايد إلى دعم المقترح المغربي، وهو ما يعكس التحولات التي عرفها هذا الملف على الساحة الدولية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يطرح العديد من المتابعين سؤالاً أساسياً: هل ما زالت المقاربة التي تبنتها الجزائر منذ عقود تحقق الأهداف التي وضعتها لنفسها؟

ففي العلاقات الدولية، لا تُقاس نتائج السياسات فقط بالمعايير العسكرية، بل أيضاً بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية والدبلوماسية المرجوة. ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المراقبين أن التطورات الحالية تدفع إلى إعادة تقييم حصيلة هذا الرهان بعد سنوات طويلة من الاستثمار السياسي والدبلوماسي فيه.

ومع ذلك، فإن الدول نادراً ما تعلن بشكل صريح فشل خياراتها الاستراتيجية أو تراجع رهاناتها السياسية. وغالباً ما تلجأ إلى مراجعات تدريجية تسمح لها بالتكيف مع المتغيرات الجديدة مع الحفاظ على مصالحها وصورتها الدولية. لذلك قد يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت الجزائر ستعترف بفشل هذا الرهان، بل ما إذا كانت ستختار مراجعة مقاربتها لهذا الملف بما ينسجم مع التحولات الراهنة.

إن شعوب المغرب الكبير تتطلع قبل كل شيء إلى مستقبل يسوده التعاون والاستقرار والتكامل الاقتصادي. فالتحديات المشتركة التي تواجه دول المنطقة، من بطالة وهجرة وتنمية اقتصادية وأمن غذائي وتغيرات مناخية، تتطلب توحيد الجهود وتوجيه الطاقات نحو بناء شراكات إقليمية قوية بدل استمرار الخلافات التي استنزفت الكثير من الوقت والإمكانات.

لقد أثبت التاريخ أن الحلول الواقعية هي الأكثر قدرة على الصمود والاستمرار، وأن المتغيرات الدولية تفرض باستمرار مراجعة المواقف وإعادة ترتيب الأولويات. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، تبدو الجزائر اليوم أمام فرصة لإعادة تقييم مقاربتها لهذا الملف، بما ينسجم مع الواقع الجديد ويساهم في فتح آفاق أوسع للتعاون وحسن الجوار بين شعوب المنطقة.

ويبقى المستقبل كفيلاً بالإجابة عن هذا السؤال: هل ستختار الجزائر التكيف مع المتغيرات الجديدة والانخراط في مقاربة أكثر واقعية، أم ستستمر في النهج نفسه رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا الملف؟