وجهة نظر

محاولة في “إثبات نسب” الأطر المشتركة بين الوزارات العاملين بوزارة الداخلية

ونحو إقرار نظام خاص بموظفي وزارة الداخلية

لا تكاد النقاشات اليومية المتداولة بين أطر وزارة الداخلية تخلو من سؤال يكاد أن يغدو مرضيا، وهو هل المتصرفون والمهندسون والتقنيون والمحررون الخاضعون لمرسوم الأطر المشتركة بين الوزارات موظفون لوزارة الداخلية؟ أم تم وضعهم رهن إشارة الوزارة ومصالحها؟ ولأي قطاع ينتمون له؟ أليسوا أبناء شرعيين لوزارة الداخلية؟ ما الفرق بين متصرف لوزارة الداخلية ومتصرف بوازرة الداخلية؟ ولماذا هذا التمييز؟

تعكس هذه الأسئلة المتداولة حالة من الضبابية التي تسبب وضعية من اللايقين وتؤثر في سيكولوجية موظفي وزارة الداخلية وتجعلهم يعيشون حالة من غياب القيمة الإدارية، ولمعالجة هذه الإشكالية، يستوجب التحليل تفكيك الأسباب العميقة والخاصة التي ولّدت هذا الخلط، قبل الانتقال إلى بناء الحجة القانونية التي تحسم طبيعة هذا الانتماء.

أولا: في أسباب الخلط المؤدي للاإنتماء العضوي:

إن الإحساس باللاانتماء القطاعي أو التشكيك في العضوية الإدارية للأطر المشتركة داخل هياكل وزارة الداخلية لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج هندسة تشريعية وتنظيمية معقدة، تتلخص أهم مسبباتها في نقطتين مركزيتين:

  1. الازدواجية النظامية والمجاورة مع “هيئة متصرفي وزارة الداخلية”:

 يُعتبر هذا المعطى من أبرز مسببات الخلط على الإطلاق. فوزارة الداخلية تتميز بوجود هيئة خاصة تُعرف بـ “متصرفي وزارة الداخلية”، والتي تخضع لنظام أساسي خاص ومستقل يمنحها امتيازات ومسارات ترقية محددة، ويسبغ عليها طابعاً خاصا. وهذا التجاور اليومي في مقرات العمل (سواء في الإدارة المركزية أو الترابية) بين موظف يحمل صفة “متصرف بوزارة الداخلية” وموظف آخر يحمل صفة “متصرف خاضع  لإطار مشترك”، يخلق شرخاً سيكولوجياً ومهنياً. هذا التباين يوهم البعض بأن الفئة الأولى هي “الابن الشرعي” للقطاع، بينما الفئة الثانية مجرد “عنصر دخيل” أو مستعار من قطاع الوظيفة العمومية، رغم قيامهما بنفس المهام ونفس المسؤوليات، وهذا التمايز لا يساهم في تجويد وضعية موظفي نفس القطاع بل على العكس تماما يؤدي إلى تمييز سلبي يولد وضعا متباينا لموظفي نفس القطاع.

  • غياب نظام أساسي موحد وخاص بموظفي وزارة الداخلية:

 خلافاً لبعض القطاعات أو المؤسسات التي تتوفر على نظام أساسي شامل يغطي كافة مواردها البشرية، تفتقر وزارة الداخلية إلى “نظام أساسي خاص بموظفي وزارة الداخلية” كإطار مرجعي موحد يجمع أطرها الإدارية والتقنية بمختلف درجاتهم. وأمام هذا الفراغ التشريعي القطاعي، تضطر الوزارة إلى الاعتماد المكثف على مراسيم “الأطر المشتركة بين الوزارات” (كمراسيم المتصرفين، المهندسين، التقنيين، والمحررين) لتلبية حاجياتها من الموارد البشرية. هذا الاعتماد على أنظمة مستوردة تشريعياً وعابرة للقطاعات، يكرس وهم “اللاانتماء العضوي”، حيث يشعر الموظف أن نظامه القانوني لا يحمل بصمة المؤسسة التي يشتغل فيها.

وزارة الداخلية ليست قطاعاً حكومياً تقليدياً؛ فهي العمود الفقري للإدارة الترابية بالمغرب، وتتميز بمهامها ذات الطابع الاستعجالي، الأمني، التنموي، والتنظيمي الدقيق.إن الإطار المزاول لمهامه داخل العمالات والأقاليم، لاسيما عند إشرافه على أقسام حيوية لها ارتباط بما هو أمني وتنموي وجمعوي، يباشر ملفات ذات حساسية سيادية ومخاطر إدارية وقانونية مرتفعة.

ومع ذلك يعاني القطاع من القصور التشريعي فرغم هذه الجسامة في المهام، يجد هذا الإطار نفسه خاضعاً لمرسوم “مشترك” (كـ مرسوم المتصرفين أو المهندسين)؛ وهو نص قانوني ذو طبيعة “محايدة وعامة”، صُمم في الأصل ليُطبق بشكل أفقي على موظفين في قطاعات أخرى قد يقتصر عملهم على مهام مكتبية روتينية. هذا التطابق القسري بين نص عام ومهام خاصة، يجعل الموظف يشعر بأن نظامه الأساسي لا يعكس حجم مسؤولياته الترابية.

وتتجلى إشكالية الهوية الوظيفية بشكل صارخ عند الممارسة الميدانية والاحتكاك اليومي داخل بيئة الإدارة الترابية. في هذا الحيز، يجد إطار الأطر المشتركة لوزارة الداخلية نفسه أمام مفارقة تنظيمية حادة مقارنة بباقي الفاعلين في تدبير الشأن العام المحلي، تكرس “الاغتراب التشريعي”: إن هذا الاحتكاك الميداني يعمق الإحساس باللاانتماء العضوي. فمن غير المنطقي، سيكولوجياً ومهنياً، أن يكون الفاعل المحلي (الذي يخضع للمراقبة) متمتعاً بهوية وظيفية واضحة ومستقرة في إطار اللامركزية، بينما الإطار التابع لوزارة الداخلية (الذي يمثل سلطة المراقبة الإدارية ويدبر المخاطر القانونية والترابية) يستند إلى مجرد “نص عام، محايد، ومشترك” خالٍ من أي حمولة رمزية أو مادية تعكس جسامة وحساسية موقعه الإداري.

ثم إن غياب “التعاقد السيكو-مهني” في الأنظمة المستوردة لا يعكس اعتراف المؤسسة بقيمة مواردها البشرية. فافتقاد البصمة القطاعية تفتقر إلى أي دلالات رمزية أو مادية تربط الموظف بقطاع الداخلية. فهي لا تتضمن، على سبيل المثال، آليات تحفيزية خاصة تراعي طبيعة الاستنفار الدائم للإدارة الترابية، أو نظاماً للتعويض عن المخاطر أو الديمومة المرتبطة بإدارة الأزمات الترابية.

وبالتالي يتم تكريس الاغتراب الوظيفي، فعندما يطلع الموظف على النصوص القانونية التي تنظم مساره المهني من التوظيف إلى التقاعد، ولا يجد فيه ذكراً لطبيعة بيئة عمله أو لخصوصية مؤسسته (وزارة الداخلية)، يتولد لديه اقتناع باطني بأن الإدارة المشغلة تتعامل معه كـ “رقم استدلالي عابر” يمكن استبداله أو نقله لأي قطاع آخر، وهو ما يغذي بقوة سؤال: “هل أنا فعلاً موظف لهذه الوزارة؟”.

ثانياً: نحو حسم الجدل حول انتماء الأطر المشتركة العاملين بوزارة الداخلية لقطاع السيادة والتنمية

رغم الوجاهة السيكولوجية والإدارية للأسباب المذكورة أعلاه، إلا أن التحليل القانوني الصارم المستند إلى قواعد القانون الإداري وبالخصوص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، يدحض فرضية “الوضع رهن الإشارة” أو “الإلحاق” ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الأطر المشتركة هم موظفون أصليون وأبناء شرعيون لوزارة الداخلية، وذلك استناداً إلى الحجج التالية:

  1. معيار الارتباط بالمنصب المالي:

 إن حجر الزاوية في تحديد هوية المشغل في القانون الإداري هو “المنصب المالي”. فالأطر المشتركة العاملة بوزارة الداخلية يتم توظيفها بناءً على مناصب مالية مقيدة حصراً من ميزانية وزارة الداخلية. إن الوضعيات الاستثنائية كـ”الوضع رهن الإشارة” أو “الإلحاق” تقتضي قانوناً بقاء المنصب المالي في ميزانية القطاع الأصلي، وهو شرط منتفٍ تماماً في حالة الأطر المشتركة التي تم توظيفها بتعيينها وترسيمها تنظيمياً ومالياً مع وزارة الداخلية كقطاع مشغل.

  1. معيار الخضوع للسلطة الرئاسية والتبعية الهيكلية: 

تتجلى العضوية الإدارية من خلال الخضوع التام للسلطة الرئاسية (Le pouvoir hiérarchique). فوزير الداخلية، والعمال والولاة (في إطار التفويض واللاتمركز الإداري)، يمارسون كافة الصلاحيات الإدارية على هذه الأطر، بدءاً من التعيين في المناصب والمهام، مروراً بالتنقيط والتقييم السنوي، وصولاً إلى ممارسة السلطة التأديبية. هذه الصلاحيات لا تُمارس وبشكل مطلق إلا على الموظفين الأصليين المنضوين تحت الهيكل التنظيمي للقطاع.

ثالثاً: لفك العلاقة بين “النظام الأساسي” و”الانتماء العضوي والوظيفي”

لتفكيك هذا الخلط الإبستمولوجي والمهني بشكل نهائي، وتجاوز حالة “الاغتراب التشريعي” التي قد يستشعرها الإطار المشترك العامل بوزارة الداخلية، بات من الضروري إرساء قاعدة تحليلية صارمة. تقوم هذه القاعدة على التمييز الدقيق بين “المركز التشريعي” (كإطار قانوني مجرد) و”المركز الهيكلي” (كواقع مؤسساتي وتنظيمي)، وذلك عبر مستويين متكاملين:

1: النظام القانوني المؤطر (المعيار الموضوعي/التشريعي):

 يجب التسليم بأن مرسوم الإطار المشترك لا يمثل “بطاقة هوية قطاعية”، بل هو محض “هندسة تشريعية أفقية” اعتمدتها الدولة لغايات براغماتية بحتة. تهدف هذه الهندسة إلى عقلنة التدبير العمومي عبر توحيد المسار المهني (توحيد الدرجات، شبكة الأرقام الاستدلالية، وشروط الترقية)، وتكريس مبدأ المساواة الأجرية بين موظفي الدولة، فضلاً عن تسهيل الحركية الإدارية. وعليه، فإن هذا المرسوم يكتفي بوظيفة “المهندس المعماري للمسار”؛ فهو يجيب حصراً عن سؤال: “كيف يُدبر المسار الوظيفي؟”، ولا يمتلك أي دلالة قانونية للأجابة على سؤال الانتماء العضوي للمؤسسة المشغلة.

2: الانتماء العضوي (المعيار الهيكلي/الوظيفي): 

يتجاوز هذا المعيار مجرد “بيئة الممارسة” ليلامس صميم “الولاية الإدارية والتبعية الهيكلية”. فبمجرد شغل المنصب المالي المخصص في الميزانية العامة لوزارة الداخلية، يكتسب الموظف صفته العضوية كجزء أصيل من جهازها الإداري، وهو ما حسمته تشريعياً المادة 2 من المرسوم المنظم لهيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات بقواعد آمرة وصريحة. فقد نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أن: “يعتبر الموظفون المنتمون إلى هيئة المتصرفين في وضعية عادية لممارسة مهامهم بجميع الإدارات العمومية التي يعملون فيها”، وهو إقرار ينسف فرضية الانتداب أو الوضع رهن الإشارة، ويثبت الوضعية النظامية العادية داخل القطاع. وتعزيزاً لهذه الحصرية العضوية، قطعت الفقرة الثانية من المادة ذاتها دابر أي تأويل لجهة التبعية حين نصت بالحرف: “ويخضع الموظفون المنتمون إلى هذه الهيئة لسلطة رئيس الإدارة التي قامت بتوظيفهم، ويتولى الرئيس المذكور تدبير شؤونهم وفقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل”.

إن هذا المنطوق القانوني يمثل قطيعة تامة مع وهم “اللاانتماء”؛ فإسناد “سلطة رئيس الإدارة” و”تدبير الشؤون” للجهة التي قامت بالتوظيف (وزارة الداخلية وممثلوها ترابياً من ولاة وعمال)، يعني انتقالاً كاملاً وحصرياً للسلطة الرئاسية والتسلسلية (من توجيه، ومراقبة، وتنقيط، وتأديب). وبذلك، ينصهر الموظف كلياً في الهوية التنظيمية للإدارة الترابية، ملزماً بتنزيل سياساتها العمومية، ومقيداً بصرامة سرها المهني وواجبات التحفظ المفروضة على منتسبيها، تماماً كأي موظف يخضع لنظام أساسي خاص ومستقل بالقطاع.

خاتمة:

تأسيساً على ما سبق، يتضح أن الحجج القانونية والمنطقية تحسم بما لا يدع مجالاً للشك الانتماء العضوي، والهيكلي، والرئاسي للأطر المشتركة العاملة بوزارة الداخلية. غير أن هذا اليقين النصي يصطدم بواقع سيكو-مهني يتسم بالضبابية، واللايقين، والإحساس المستمر باللاانتماء؛ وهو شعور مرده الأساسي إلى فراغ تشريعي هيكلي يتجلى في غياب نظام أساسي خاص وموحد يجمع كافة موظفي وزارة الداخلية بمختلف أطرهم (الإدارية والتقنية).

إن إنهاء حالة “الاغتراب الوظيفي” يتجاوز مجرد التكييف القانوني للنصوص الحالية، ليطرح ضرورة ملحة ومطلباً موضوعياً لصياغة إطار تشريعي قطاعي جديد، يتلاءم بصدق مع طبيعة، وحساسية، وحجم المسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتق هؤلاء الموظفين في تدبير الشأن الترابي. إطار يترجم هذا العبء المهني إلى تعويضات مادية محفزة ومنصفة تستجيب لخصوصية القطاع، وتضع حداً نهائياً لحالة التمايز والتمييز السلبي بين موظفين يتقاسمون نفس الفضاء، ونفس الأعباء، ونفس الإدارة المشغلة.

فبناء هوية وظيفية قوية ومتماسكة، قادرة على الانخراط الفعال في تحديات الإدارة الترابية، ينطلق حتماً من توحيد المرجعية التشريعية والمادية، بما يضمن المساواة والإنصاف بين كافة أبناء القطاع الواحد.