كشفت منصة أخبار الأمم المتحدة عن تفاصيل رحلة استكشافية بحرية استثنائية قادها ثلاثة غواصين محترفين في أعماق مضيق هرمز، حيث أزاح هؤلاء الخبراء الستار عن عالم خفي يزخر بالحياة تحت سطح مياه تعتبر شريانا حيويا وممرا استراتيجيا للطاقة العالمية وساحة للتجاذبات السياسية والعسكرية الساخنة بين واشنطن وطهران، مبرزين التناقض الصارخ والمثير للاهتمام بين التوترات والحروب الدائرة على اليابسة وبين الهدوء الساحر والتنوع البيولوجي الذي يميز قاع هذا المضيق الذي يخفي خلف مخاطره الجيوسياسية والبيئية سحرا خاصا يجعل منه وجهة أثيرة ومفضلة لعشاق رياضة الغوص والمغامرة.
وأوضحت الغواصة المحترفة شانشان دو، في تصريحات أوردتها المنصة الأممية، أن فريق الغوص الذي يضم كلا من المدرب روي لي والخبيرة جي تشانغ، لم يتمكن من المغامرة والتوغل في أعماق مضيق هرمز إلا في منتصف شهر أبريل من سنة ألفين وستة وعشرين، وذلك بعد إغلاق السواحل الإماراتية لحوالي شهر ونصف بسبب استعار الحرب في إيران لأكثر من شهر.
وأشارت إلى أن غطستهم الأولى في الثامن عشر من أبريل في أضيق نقطة بحرية تفصل بين الإمارات وسلطنة عمان كشفت لهم عن مجموعات كبيرة ومذهلة من الدلافين، في حين عبر المدرب روي لي عن دهشته من الهدوء المفرط الذي وجده تحت الماء والمحاط بالشعاب المرجانية والطيور البحرية أثناء جلوسه على القارب، وهو الهدوء الذي خالف تماما توقعاته المسبقة وتخيلاته عن هذه المنطقة المتوترة للغاية.
وأضاف المتحدثون للمصدر ذاته تفاصيل دقيقة عن التنوع البيولوجي الاستثنائي في مضيق هرمز، حيث سجل المدرب روي لي أن التضاريس المعقدة للمنطقة ساهمت في ازدهار نظام بيئي بحري غني جدا رغم عدم تصنيف المضيق كأكثر المناطق تنوعا في العالم، مبرزا وجود شعاب مرجانية بيضاء تشبه الإبر الفضية وأخرى بنفسجية كغابات الصنوبر على طول الساحل الشرقي للإمارات، إلى جانب فرس البحر وأسماك ملونة بالأحمر والأخضر نادرة الظهور في مناطق أخرى، ومحارات ضخمة وأسماك قرش الحوت.
ورصدت الغواصة شانشان دو تغلب الفريق على القلق من الغوص في منطقة حرب بالطرف الجنوبي للمضيق ورؤيتهم لأسماك قرش كبيرة وحبار، في حين أكدت جي تشانغ خلال غطستها الأخيرة قرب منطقة مسندم العمانية وجود أعداد هائلة من السلاحف البحرية التي تتجاوز اثنتي عشرة سلحفاة في الغطس السطحي، فضلا عن تنوع مذهل في المرجان الرخو والصلب وكائنات مجهرية زاهية الألوان مثل أرنب البحر اللطيف.
وأكدت الغواصة جي تشانغ أن المخاوف البيئية تتجاوز بكثير الهواجس الأمنية الشخصية المترتبة عن النزاعات الإقليمية ومشاهدة الصواريخ الاعتراضية تنفجر في السماء مخلفة سحبا من الدخان، مسجلة بحسرة تضرر البيئة البحرية من مخلفات الحروب حيث رصدت طبقات سميكة من الطحالب الخضراء وأبخرة النفط والنفايات البيضاء في الأماكن التي تسبح فيها الدلافين بالجانب الشرقي من المضيق الذي كان يتميز بمياهه الزرقاء الصافية.
وهو الطرح الذي زكاه المدرب روي لي بالتحذير من التهديدات الخطيرة التي يشكلها قصف منشآت تخزين النفط والسفن الحربية على الكائنات البحرية الضعيفة التي قد تنقرض بسبب هجوم واحد، مشيرا في الوقت نفسه إلى قصة مؤثرة لقائد قارب كان يهدئ سرعته دائما في منتصف رحلاته التي تستغرق ثلاثين دقيقة لتلقي عليه الدلافين التحية رغم عدم إتقانه للغوص، ومبرزا التناقض المتمثل في ظهور أسراب أسماك أكبر وأكثر كثافة مؤخرا بسبب تقييد إدارة المحيط للأنشطة البشرية وانخفاض الصيد وتضرر الشعاب المرجانية نتيجة الأوضاع الأمنية.
وتابع الفريق استعراضه لطبيعة العلاقة المختلة بين البشرية والمحيطات تزامنا مع احتفالات اليوم العالمي للمحيطات الذي يحمل شعار إعادة تصور العلاقة بين الإنسان والمحيط، حيث انتقدت جي تشانغ النظرة الاستغلالية للبشر الذين يضعون أنفسهم في مكانة رفيعة ويعتبرون البحر مجرد خزان للموارد وممر للعبور وساحة للمعارك ونقل الخلافات والتلوث، متجاهلين أن المحيط لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه ويتحمل كافة الصراعات،
وشبه روي لي هذه العلاقة برابطة الأب والطفل، مبرزا أن المحيط يرعى البشر بصمت وحزم كالأب الذي يعاقب عند إساءة التصرف، بينما يتصرف الإنسان كطفل يعتقد أنه كبر ويستطيع تحقيق ذاته متوهما قدرته على حماية والديه في حين أن ما يقدمه يظل ضئيلا جدا مقارنة بالعطاء المستمر للطبيعة، لتخلص شانشان دو إلى أن الغواصين يلعبون دور المراقبين والموثقين لنشر مفاهيم حماية البيئة لمن لم يمارسوا هذه الهواية بعد.
وأشار الغواصون في ختام شهاداتهم للمنصة الدولية إلى المفهوم العميق الذي يرسخه الغوص بخصوص إلغاء الحدود الوطنية والصراعات المفتعلة، حيث أوضحت جي تشانغ أن ممارسة هذه الرياضة تلغي تماما التقسيمات السياسية التي يضعها البشر على اليابسة، مؤكدة أن المحيط لا يعترف بالحدود بدليل تحرك تيارات المياه وأسراب أسماك قرش الحوت بحرية تامة عبر مسارات تعبر دولا مختلفة للوصول إلى وجهاتها،
ووجه الغواصون رسالة دعوة للجمهور لاستكشاف واحد وسبعين بالمائة من كوكب الأرض ومتابعة الأفلام الوثائقية لمعرفة أسرار البيئة البحرية كنوم الأسماك في الشقوق وتوهج المرجان ليلا، مع التشديد على ضرورة تحمل الجميع لمسؤولية حماية المحيط من الصيد الجائر والاستغلال المفرط لتتمكن الأجيال القادمة من الاستمتاع بهذا العالم الأزرق الساحر.