قد يبدو هذا العنوان مستفزاً للوهلة الأولى، فالديمقراطية تُعد من أهم المكاسب السياسية التي حققتها المجتمعات الحديثة، والانتخابات تمثل إحدى أبرز آلياتها في تمكين المواطنين من اختيار من يمثلهم. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في بعض الأوساط القروية هو: هل تؤدي الانتخابات دائماً إلى تعزيز المشاركة والتنمية، أم أنها قد تتحول أحياناً إلى عامل يهدد التماسك الاجتماعي الذي عُرفت به هذه المجتمعات عبر أجيال؟
في جوهرها، جاءت الديمقراطية لتجعل التنافس قائماً على البرامج والأفكار والمشاريع، ولتمنح المواطنين الحق في اختيار من يرونه قادراً على خدمة مصالحهم والدفاع عن قضاياهم. لكن ما يحدث في كثير من القرى يختلف أحياناً عن هذا التصور. فبدلاً من التنافس حول الرؤى التنموية، تتحول الانتخابات إلى صراع بين العائلات والأقارب والقبائل، ويصبح الانتصار للمرشح أو الحزب أهم من الانتصار للمصلحة العامة.
لقد عُرفت المجتمعات القروية المغربية، عبر تاريخها الطويل، بقوة روابطها الاجتماعية وتماسكها الداخلي. وكانت الأعراف المحلية، وأنظمة التدبير التقليدية، ومن بينها نظام “أمغار” الذي ما يزال حاضراً في بعض المناطق، تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على وحدة الجماعة وتسوية الخلافات. وكان الانتماء إلى الدوار أو القبيلة يشكل إطاراً جامعاً تتقدم فيه المصلحة المشتركة على الحسابات الضيقة.
غير أن المواسم الانتخابية أصبحت في بعض الحالات تخلق انقسامات لم تكن موجودة من قبل. فأخ يساند مرشحاً، وأخوه يقف في صف منافسه، وأبناء العمومة يتوزعون بين لوائح مختلفة، لتتحول المنافسة السياسية إلى خصومات اجتماعية قد تستمر سنوات بعد انتهاء الانتخابات. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الاختلاف السياسي أمراً طبيعياً داخل أي مجتمع ديمقراطي، يصبح في بعض القرى سبباً للقطيعة والتوتر وسوء الفهم.
ولعل الإشكال الأكبر لا يكمن في الانتخابات نفسها، بل في طبيعة الوعي الانتخابي السائد داخل بعض الأوساط القروية. ففي المدن، ورغم كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الممارسة السياسية، يكون النقاش في الغالب أكثر ارتباطاً بالبرامج والحصيلة والوعود الانتخابية. أما في كثير من القرى، فإن الانتخابات تتحول إلى ما يشبه مباراة يجب الفوز بها مهما كان الثمن. فلا يسأل كثيرون عن البرنامج الانتخابي، ولا عن التصور التنموي للمترشح، ولا عن قدرته على تحقيق تطلعات الساكنة، بقدر ما يهمهم أن ينتصر “فريقهم” على الفريق الآخر.
هكذا يصبح إعلان النتائج هو الغاية، لا ما سيأتي بعدها من تدبير للشأن العام. ويشعر البعض بالفرح لأن مرشحهم فاز، حتى وإن لم يقدم لاحقاً أي إضافة حقيقية للمنطقة، بينما يرفض آخرون الاعتراف بفشل من ساندوهم رغم ضعف حصيلتهم. وهنا تتحول السياسة من مجال للمحاسبة والتقييم إلى نوع من العصبية الانتخابية التي تُقدَّم فيها الولاءات على الكفاءة، والانتماءات على المصلحة العامة.
والمفارقة أن المترشحين الذين يخوض أنصارهم معارك كلامية حادة داخل القرى قد يصبحون بعد الانتخابات حلفاء داخل المجالس المنتخبة، أو شركاء في تدبير الشأن المحلي. أما العداوات التي خلفتها الحملات الانتخابية بين الأسر والجيران والأقارب فتبقى قائمة، وكأن سكان القرى وحدهم هم من يدفعون ثمن صراعات سياسية انتهت بالنسبة لأصحابها بمجرد إعلان النتائج.
إن المشكلة ليست في الديمقراطية، بل في اختزالها في لحظة التصويت فقط. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني الانتصار على الخصم، بل اختيار الأفضل لخدمة المصلحة العامة ثم محاسبته على أدائه. كما أنها لا تعني تمزيق العلاقات الاجتماعية، بل تدبير الاختلاف في إطار من الاحترام المتبادل والتعايش.
حين تنتهي الانتخابات… يجب أن ينتصر المجتمع
في خضم هذا الواقع، تبقى المسؤولية مشتركة بين الناخبين والمترشحين على حد سواء.
فأما الناخبون، فعليهم أن يدركوا أن الانتخابات ليست حرباً ولا معركة وجود، بل مجرد آلية ديمقراطية لاختيار من يرونه الأصلح لتمثيلهم. ومن حق كل مواطن أن يختار المرشح أو الحزب الذي يقتنع به دون أن يتحول ذلك إلى سبب للخصومة أو القطيعة. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما روابط الدم والجوار والصداقة فتمتد لسنوات طويلة. لذلك ينبغي أن تنتهي المنافسة السياسية بانتهاء الاقتراع، وأن يعود الجميع إلى ما يجمعهم من مصالح مشتركة وعلاقات إنسانية أعمق وأبقى من أي انتماء انتخابي عابر.
أما المترشحون، فإن مسؤوليتهم أكبر، لأن كلماتهم ومواقفهم تؤثر بشكل مباشر في الساكنة. ومن غير المقبول أن تتحول الحملات الانتخابية إلى مناسبة لإثارة النعرات العائلية أو القبلية أو لتأجيج الصراعات بين أبناء الدوار الواحد. فالمترشح الذي يؤمن بالديمقراطية حقاً هو الذي يعرض برنامجه وأفكاره وحصيلته وما يقترحه من حلول لمشاكل المواطنين، لا الذي يبني حملته على مهاجمة منافسيه أو تقسيم المجتمع إلى معسكرات متناحرة.
إن المجتمعات القروية بحاجة إلى منافسة تنموية لا إلى صراعات انتخابية، وإلى حوار حول المشاريع لا حول الأشخاص، وإلى ثقافة سياسية تجعل الاختلاف مصدر قوة لا سبباً للفرقة. فحين يقتنع الناخب بأن صوته أداة للتنمية لا للانتقام، ويقتنع المترشح بأن إقناع المواطن أهم من التحريض ضد المنافس، تصبح الانتخابات رافعة للتقدم بدل أن تكون معولاً يهدم ما بناه المجتمع من تماسك وتضامن عبر الأجيال.
إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي أيضاً أخلاق وسلوك ومسؤولية. وإذا كانت الانتخابات مناسبة لاختيار من يمثل المواطنين، فإنها يجب ألا تكون سبباً في تمزيق ما هو أثمن من المقاعد والمناصب: وحدة المجتمع وتماسكه. فقد يفوز مرشح أو حزب، وقد يخسر آخر، لكن الخاسر الحقيقي هو الجميع إذا خرجت القرية من موسم الانتخابات أكثر انقساماً وأقل تماسكاً مما كانت عليه قبله.
وحينها لا يكون الخلل في الديمقراطية نفسها، بل في الطريقة التي نمارس بها الديمقراطية ونفهمها داخل مجتمعات ما زالت تبحث عن التوازن بين متطلبات التنافس السياسي والحفاظ على رأسمالها الاجتماعي والتاريخي الذي شكل على الدوام مصدر قوتها واستمرارها.