وجهة نظر

الثابت والمتحول في شروط الإمامة: نحو مفهوم “الأهلية العلمية المتجددة”

أثارت أطروحتنا قبل أيام حول “الثابت والمتحول في شروط الإمامة” موجة من العجب والدهشة لدى بعض الفضلاء؛ إذ تساءل كثيرون: كيف يمكن لمقام الإمامة الشريف، المستقر في وعي الأمة وثوابتها، أن تطرأ على شروطه سُنّة التحول والتغير؟ ولعل أفضل طريقة لتبديد هذا العجب وتقريب الفكرة هي تقديم نموذج حيّ وعملي يجسد هذا “المتحول” في شروط الإمامة، ونعني به تحديداً: شرط الأهلية العلميةالمتجددة.

ولكي يتضح الفرق الجوهري الذي أوجب هذا التحول، لا بد أولاً من تحرير “التعريفالفقهي القديم” للأهلية العلمية كما استقر لقرون في أدبيات الفقه الموروث. لقد جرى العرف الفقهي الكلاسيكي على النظر إلى الأهلية العلمية بوصفها صفة “ساكنة” تُحصّل لمرة واحدة، وعرّفوها إجرائياً بأنها: «امتلاك الحد الأدنى من المعرفة الشرعية المستقرة، من حفظٍ لآيات الأحكام، وضبطٍ لأركان الصلاة والخطبة وشروطهما، معرفةٍ بمسائل الحلال والحرام الأساسية، بما يضمن صحة عبادة المأمومين وصحة ما يُلقى عليهم من أحكام مستقرة». وهو تعريف ينظر إلى العلم كـ “مخزون ثابت” يُستصحب طول العمر دون حاجة لتحديثه، طالما أن طروء النوازل كان بطيئاً وتحولات المجتمعات كانت رتيبة.

بيد أن انفجار المعرفة المعاصرة، وتعقد النوازل، وتداخل العلوم الإنسانية مع الفقهية، فرض انتقالاً حتمياً من ذلك المفهوم الساكن والجامد للأهلية، إلى مفهوم حركي تفرضه مقاصد الشريعة، وهو ما نؤصل له تحت عنوان: “منبر بلا أهلية: في نقد غيابالأهلية العلمية المتجددة”.

إن الأهلية العلمية المتجدّدة — في حقيقتها المعاصرة — هي ذلك التكوين المستمر، بنمطيه النظامي وغير النظامي، وعبر مساريه العصامي وغير العصامي؛ الذي يُبقي الإمام في حالة تعلّم حيّ مستدام، ويجعله قادراً على تحديث أدواته المعرفية، وفهم تحولات الواقع، وربط النص الشرعي بمقاصده الكلية.

وهذا الشرط ليس ترفاً فكرياً أو تنظيراً إدارياً، بل هو أصلٌ شرعيّ أصيل؛ فمن المعلوم استقراءً أن الإمامة المنبرية ما وُجدت في الإسلام إلا لتحقيق مقاصد كبرى، في مقدمتها: صيانة الدين، وترشيد العقل، وحفظ الجماعة. ومن البديهي أن هذه المقاصد العليا لا يمكن أن تتحقق برعاية إمام جامد يقبع في الماضي ولا يتجدّد علمه بتجدد العصر.

إن الخطورة الكامنة في عجز الإمام عن مواكبة التكوين المستمر تتمثل في عجزه التلقائي عن قراءة الواقع قراءة فقهية معتبرة، وعن فهم النوازل المستجدة، وعن تمييز الثابت المعصوم من المتغيّر البشري؛ فيتحوّل خطابه المنبري — تبعاً لذلك — إلى حالة من الجمود الفكري التي تضرّ بالوعي المجتمعي وتُنفّر الناس أكثر مما تنفعهم.

وبناءً على هذا التأصيل المقاصدي، فإننا نرى بوضوح أن من لا يملك هذه الأهلية العلمية المتجدّدة، يفقد بالضرورة الأحقية المشروعة في الوعظ، والإرشاد، والخطابة المنبرية؛ لأن المنبر ليس مسرحاً لاستعراض الذاكرة، بل هو مقام مقاصديّ وتوجيهي لا يُرتقى إليه بحفظ القديم فحسب، بل بامتلاك المعرفة الحية والتجدد المستمر.

ونتيجة لذلك، فإن الإمام الذي يسقط عنه هذا الشرط الحركي، يسقط تلقائياً من مقام الإمامة الفكرية والتوجيهية، ولا يبقى له — على أكثر تقدير وفي حدود الضبط الفقهي — إلا مقام “إمام الصلاة” الذي يؤمّ الناس في الصلوات الخمس كشعيرة تعبدية، دون أن يكون له الحق في توجيه الوعي العام، أو صناعة الخطاب الجمعي، أو صياغة عقول الجماهير.

ختاماً، يجب أن ندرك أن الإمامة التي لا تتجدّد تبطل مقاصدها وغاياتها، وأن الإمام الذي يتوقف عن التكوين والتعلم يبطل شرعيته المعرفية على أعواد المنبر، قبل حتى أن يرفع صوته بالخطاب.