أثار مشروع الخريطة الجامعية الجديدة، وما رافقه من رأي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، نقاشا متجددا حول مستقبل التعليم العالي بالمغرب. ويتعلق المشروع أساسا بإعادة توزيع المؤسسات الجامعية، وإحداث جامعات جديدة، وتقريب العرض الجامعي من مختلف الجهات، في إطار تعزيز العدالة المجالية وتحسين الحكامة وتخفيف الضغط عن بعض الجامعات الكبرى. وهي أهداف لا يمكن إنكار مشروعيتها، لأنها تستجيب لتحولات ديمغرافية ومجالية واقتصادية فعلية، كما تنسجم مع منطق الجهوية المتقدمة وتطوير الخدمات العمومية.
غير أن النقاش العمومي الذي رافق هذا المشروع يكشف ميلا واضحا إلى اختزاله في بعده التنظيمي، أي في عدد الجامعات وحدودها الترابية، في حين أن جوهر المسألة يتجاوز ذلك بكثير. فالمجلس الأعلى نفسه أشار إلى أن الخريطة الجامعية تمثل مرحلة من مسار إصلاحي أوسع، يرتبط بالرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار وباقي الأوراش المرتبطة بالتعليم العالي والبحث العلمي. وهذا يعني أن المشروع لا يُفترض أن يقرأ كإصلاح شامل ونهائي، بل كحلقة داخل مسار طويل ومعقد.
لكن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: إذا كانت الخريطة الجامعية مجرد مرحلة، فما هي ملامح المراحل الأخرى؟ وأي تصور كلي يحكم هذا التدرج الإصلاحي؟ إن المؤسسات الكبرى لا تُدار فقط عبر تراكم الإجراءات، بل تحتاج أيضا إلى وضوح في الوجهة النهائية التي تمنح تلك الإجراءات معناها واتجاهها.
وإذا نظرنا إلى المسار التاريخي للجامعة المغربية، نجد أنها عرفت منذ الاستقلال موجات متتالية من الإصلاحات: من مرحلة بناء الجامعة الوطنية وتكوين الأطر، إلى مرحلة التوسع الكمي واستيعاب الطلب المتزايد، مرورا بإصلاحات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وإعادة هيكلة نظام الإجازة والماستر والدكتوراه، ثم المخطط الاستعجالي، فالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وصولا إلى الإصلاحات الحالية. غير أن هذا التراكم الإصلاحي، رغم أهميته، يطرح سؤالا متكررا حول مدى وجود تصور مستقر وطويل المدى يحدد مآل هذه التحولات.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في جدوى الإصلاح، فالتعليم العالي مجال حي بطبيعته ويحتاج إلى التحديث المستمر. لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الإصلاحات إلى سلسلة من التدخلات المتعاقبة دون أن تتبلور بوضوح الصورة النهائية للنموذج الجامعي المنشود.
فإذا تجاوزنا المستوى التنظيمي إلى مستوى أعمق، يمكن القول إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي نموذج للجامعة يريد المغرب أن يبني خلال العقود المقبلة؟ فالتجارب المقارنة تُظهر أن الجامعة الحديثة لم تعد ذات وظيفة واحدة، بل تتوزع بين عدة نماذج: جامعة تركز على إنتاج المعرفة والبحث العلمي، وجامعة موجهة نحو التكوين والمهارات، وجامعة منخرطة في التنمية الاقتصادية والجهوية، وجامعة تعنى بالابتكار ونقل التكنولوجيا، وأخرى تضطلع بدور ثقافي ومجتمعي يساهم في النقاش العمومي.
والإشكال ليس في وجود هذه الوظائف مجتمعة، بل في غياب تصور واضح يحدد كيفية التوازن بينها داخل النموذج الجامعي المغربي. فبدون هذا التحديد، يصبح من الصعب تقييم أي إصلاح، لأن معيار النجاح نفسه يظل غير مستقر: هل نقيسه بعدد الخريجين؟ أم بجودة البحث العلمي؟ أم بمدى الارتباط بسوق الشغل؟ أم بالإشعاع الدولي للجامعة؟
من هذا المنظور، تبدو الخريطة الجامعية الجديدة خطوة مهمة في مستوى التنظيم المجالي، لكنها لا تجيب عن السؤال الأعمق المتعلق بطبيعة الجامعة نفسها(وليس هذا دورها)، فهي قد تساهم في تحسين القرب والحكامة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء نموذج جامعي واضح ومتماسك (وغيرها من النصوص أيضا، لا تتضمن إلا مبادئ وتوجهات وأدوات، عامة، لا ترقى لتكون محددات لنموذج جامعي).
إن مستقبل الجامعة المغربية لن يتحدد فقط عبر عدد الجامعات أو توزيعها الجغرافي، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسة منتجة للمعرفة، ومولدة للابتكار، وفاعلة في التنمية، ومؤطرة للنقاش العمومي. وهذا يتطلب رؤية استراتيجية أكثر وضوحا وتماسكا، تربط بين مختلف الإصلاحات الجارية داخل تصور شامل للنموذج الجامعي المنشود.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذا النقاش لا يتعلق فقط بمدى نجاح الخريطة الجامعية الجديدة، بل بما إذا كانت هذه الخريطة جزءا من تصور مستقر لمستقبل الجامعة المغربية، أم أنها مجرد حلقة جديدة ضمن مسار طويل من التعديلات المتعاقبة. فبعد عقود من الإصلاحات، وإصلاح الإصلاحات، يبدو أن التحدي الأكبر لم يعد هو كيفية إصلاح الجامعة، بل أي جامعة نريد أن نبني للمغرب في أفق العقود القادمة