وجهة نظر

هواية صناعة الخصوم

تملك الرياضة قدرة استثنائية على تحريك المشاعر الجماعية. لأن المباريات الكبرى تستدعي الفرح والحزن والحماس والخيبة في زمن قصير، وتدفع الجماهير إلى التعبير عن انفعالاتها بأقصى درجات الكثافة. غير أن هذه الحيوية العاطفية تتحول أحياناً إلى مادة خام يستثمرها بعض العاملين في المجال الإعلامي بحثاً عن الإثارة أو الشهرة أو توسيع دائرة المتابعة. عند تلك اللحظة ينتقل النقاش من تحليل الأداء الرياضي إلى إنتاج سرديات متوترة تستهدف الجماعات الوطنية بأكملها، فتختلط صورة الشعوب بتصرفات أفراد، وتتحول الآراء العابرة إلى أحكام واسعة تتعدى حدود المنطق والإنصاف.

تطرح العلاقات المغربية التونسية نموذجاً بالغ الدلالة في هذا الباب. فالبلدان يرتبطان بتاريخ طويل من التفاعل الثقافي والإنساني. وتجمع المجتمعين شبكة واسعة من المشتركات اللغوية والحضارية والاجتماعية. كما أن حركة التنقل والتبادل الأكاديمي والإعلامي والفني بينهما صنعت على امتداد عقود رصيداً معنوياً يصعب اختزاله في حادثة عابرة أو تصريح منفعل أو سجال تلفزيوني محدود الأثر.

رغم ذلك، تبرز بين الفينة والأخرى أصوات تتعامل مع العلاقات بين الشعوب بمنطق المنافسة الصفرية. فأي انتقاد رياضي يتحول في نظرها إلى استهداف لبلد كامل، وكل رأي مخالف يصبح إعلاناً للخصومة. هذا النمط من التفكير يعاني خللاً منهجياً عميقاً، لأنه يخلط بين المجال الرياضي الذي يقوم على الجدل وتعدد التقديرات، وبين المجال الوطني الذي يستند إلى روابط أوسع وأرسخ من نتائج المباريات والانتصارات والهزائم.

النقاش الرياضي بطبيعته قائم على الاختلاف. المحللون يتباينون في تقييم المدربين، والجماهير تختلف حول مستوى اللاعبين، والصحافيون يتجادلون بشأن الخيارات التكتيكية والقرارات التحكيمية. هذه الحيوية الفكرية تمنح الرياضة جزءاً كبيراً من جاذبيتها. أما تحويل هذا الاختلاف إلى مناسبة لإطلاق الاتهامات الجماعية فيقود إلى إفقار النقاش وإفساد معناه.

تزداد المشكلة تعقيداً مع صعود المنصات الرقمية التي منحت الأفراد قدرة هائلة على الوصول إلى الجمهور. فقد أصبح صاحب الرأي الصاخب يحظى أحياناً بانتشار يفوق انتشار المؤسسات الإعلامية ذاتها. ونتيجة لذلك، يترسخ لدى بعض المتابعين انطباع خاطئ مفاده أن الصوت الأعلى يمثل الأغلبية. والحقيقة أن المجتمعات أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تختزل في شخصية إعلامية أو مؤثر رقمي أو معلق رياضي.

من هنا تبرز إحدى أكثر المغالطات شيوعاً في الفضاء العربي المعاصر: تعميم مواقف الأفراد على الجماعات. فحين يطلق إعلامي تصريحاً مستفزاً، يسارع البعض إلى تحميل شعب كامل مسؤولية ذلك الخطاب. وحين يكتب ناشط تدوينة حادة، تنطلق موجة من الردود التي تتعامل مع رأيه باعتباره التعبير الرسمي عن بلد بأكمله. هذا المسار يفضي إلى صناعة خصومات وهمية بين مجتمعات لم تختر أصلاً الدخول في تلك المعارك الكلامية.

المفارقة أن هذا السلوك لا يقتصر على بلد دون آخر. فالساحة المغاربية شهدت في مناسبات مختلفة خروج أصوات من جهات متعددة نحو التعليق على قضايا تخص البلدان المجاورة بلغة متشنجة أو بأحكام متسرعة. لذلك تقتضي العدالة الفكرية التعامل مع الظاهرة بوصفها سلوكاً فردياً عابراً للحدود الوطنية، لا سمة ملازمة لمجتمع بعينه. فالانفعال الإعلامي يجد حامليه في أكثر من مكان، كما أن الرصانة والاتزان يحضران أيضاً في أكثر من مكان.

التجربة المباشرة كثيراً ما تكشف الفارق بين الواقع والصورة المتداولة عبر الشاشات. فالاحتكاك اليومي بالناس يتيح فهماً أعمق لطبيعة المجتمعات من أي خطاب إعلامي. اللقاءات المهنية، والحوارات العفوية، والتعاملات الإنسانية البسيطة، تمنح صورة أكثر دقة عن المزاج العام. وعادة ما يكتشف الزائر أن ما يجمع الشعوب المغاربية أكبر بكثير من السجالات التي تستحوذ على اهتمام وسائل التواصل الاجتماعي.

تونس، مثل المغرب، تملك تقاليد اجتماعية راسخة تقوم على الضيافة والتواصل والاحترام. والمواطن العادي ينشغل بقضاياه اليومية وطموحاته المهنية والأسرية أكثر من انشغاله بالمعارك الافتراضية التي يصنعها بعض الباحثين عن الأضواء. لهذا السبب تبدو المسافة واسعة بين حرارة العلاقات الإنسانية على الأرض وبرودة الخطابات المتشنجة التي تتداولها بعض المنابر.

تحتاج المجتمعات العربية اليوم إلى ثقافة نقدية أكثر نضجاً في التعامل مع الخطاب الإعلامي. فالمتلقي يتحمل جزءاً من المسؤولية أيضاً. فعندما يمنح الجمهور اهتمامه للأصوات الأكثر صخباً، فإنه يساهم من دون قصد في توسيع نفوذها الرمزي. أما حين يتعامل مع تلك الأصوات باعتبارها حالات فردية محدودة التأثير، فإنه يسحب منها القدرة على احتكار الحديث باسم جماعات واسعة.

القيمة الحقيقية لأي علاقة بين شعبين لا تتحدد بما يقوله شخص في برنامج تلفزيوني، ولا بما يكتبه ناشط في منصة اجتماعية، ولا بما يتفوه به معلق خلال لحظة انفعال. العلاقات الإنسانية تترسخ عبر التاريخ المشترك، والتبادل الثقافي، والمصالح المتبادلة، والاحترام المتراكم عبر الأجيال. وهذه العناصر تملك من القوة ما يجعلها أقدر على الصمود أمام العواصف الإعلامية العابرة.

لهذا السبب يظل التمييز بين الفرد والجماعة شرطاً أساسياً لأي قراءة متوازنة للواقع. فالأمم لا تختصر في أصوات مرتفعة النبرة، ولا تختزل في وجوه تتصدر الشاشات. الأمم تتجسد في ملايين البشر الذين يبنون حياتهم اليومية بعيداً عن ضجيج الاستعراض الإعلامي. وعندما يدرك المرء هذه الحقيقة، يصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين بعيداً عن الأحكام المتسرعة والانفعالات المؤقتة.

إن الحكمة السياسية والثقافية تبدأ من الاعتراف بأن الاختلاف في الرأي جزء طبيعي من الحياة العامة، وأن العلاقات بين الشعوب تستمد قوتها من عمقها التاريخي والإنساني. أما السجالات العابرة فتشبه موجة تعلو لبعض الوقت فوق سطح الماء ثم تنحسر، بينما يبقى البحر على اتساعه وعمقه واستمراره.