وجهة نظر

من يقود السلوك الانتخابي في العالم القروي؟

كلما اقترب موعد الانتخابات، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: من يصنع النتائج الانتخابية في العالم القروي؟ هل يحسمها البرنامج الانتخابي؟ أم الأعيان؟ أم القبيلة؟ أم أن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا مع بروز فاعلين جدد؟

يصعب تقديم جواب واحد عن هذا السؤال، فالسلوك الانتخابي داخل العالم القروي أكثر تعقيدا من أن يُفسَّر بعامل واحد، بل هو نتاج تفاعل عوامل اجتماعية وسياسية متداخلة. وتبدو هذه الديناميات أكثر وضوحًا في عدد من المجالات القروية بالجنوب الشرقي للمملكة، ويبرز إقليم زاكورة باعتباره أحد النماذج التي ما تزال تحتفظ فيها البنيات الاجتماعية التقليدية بحضور مؤثر في تشكيل الاختيارات الانتخابية. فالناخب القروي لا يحسم نتائجه دائما انطلاقًا من البرنامج الحزبي أو حجم الإنجازات، بل يتأثر أيضًا بعوامل أخرى من بينها الانتماء القبلي، والامتداد العائلي، والثقة التي راكمها المرشح داخل محيطه المحلي. وفي هذا السياق، تظل القبيلة في عدد من المناطق أحد أبرز المحددات المؤثرة في توجيه الأصوات، إذ لا يزال الانتماء القبلي يمثل رأسمالًا اجتماعيًا يمنح المرشح شبكة واسعة من الدعم والثقة، خاصة عندما ينتمي إلى عائلة ذات حضور تاريخي داخل المنطقة. لذلك، لا يُنظر إلى التصويت باعتباره اختيارًا سياسيًا فقط، بل باعتباره أيضًا تعبيرًا عن الانتماء والولاء للجماعة المحلية.

وإلى جانب القبيلة يبرز دور الأعيان باعتبارهم فاعلين محوريين في الحياة الانتخابية بعدما راكموا عبر سنوات طويلة شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والحضور المستمر في الحياة المحلية. غير أن هذا الدور عرف خلال السنوات الأخيرة تراجعًا نسبيًا مع بروز جيل جديد من الفاعلين الشباب الذين سبق لهم خوض تجارب انتخابية وينتمون الى عائلات ذات امتداد تاريخي واجتماعي داخل المنطقة أو راكموا خبرة ميدانية في العمل المحلي. فقد مكنهم هذا المسار من فهم خصوصيات المجال المحلي وبناء علاقات مباشرة مع الساكنة مستفيدتاً من الجمع بين الخبرة الميدانية والقدرة على التواصل والتعبئة، إلى جانب إدراكها بالتحولات التي يشهدها المجال القروي، الأمر الذي جعلهم ينافسون الأعيان التقليديين في تشكيل موازين القوى المحلية في عدد من الدوائر.

كما برزت فئة أخرى من الشباب يقتصر حضورها أساسا على الفضاء الرقمي، تنتقد الأحزاب والسياسيين وتقدم تحليلات سياسية متواصلة ولا تشارك في التصويت. غير أن هذا الحضور الرقمي لا ينعكس دائمًا على أرض الواقع، مما يجعل تأثيرهم في توجيه السلوك الانتخابي محدودا مقارنة بالفئة الأولى الا انها أحيانا تساهم في توجيه السلوك الانتخابي داخل محيطهم الاسري وهو تأثير يظل متفاوتا من منطقة إلى أخرى ولا يلغي استمرار الأشكال التقليدية. كما تلعب بعض الجمعيات بحسب خصوصية كل مجال محلي دورًا غير مباشر في التأثير على السلوك الانتخابي، سواء من خلال الرصيد الاجتماعي الذي راكمه أعضاؤها، أو عبر شبكات العلاقات التي تنسجها داخل المجتمع المحلي. ومن جهة أخرى يبدو أن منطق الإنجازات لم يعد دائمًا العامل الحاسم في اختيار الناخب إذ ترسخ لدى شريحة من المواطنين أن إنجاز المشاريع يدخل ضمن السياسات العمومية بينما يقاس أداء المنتخب بقدرته على الترافع عن قضايا منطقته، وابتكار المشاريع والمبادرات، والدفاع عن مصالح الساكنة لدى مختلف المؤسسات، بما يساهم في تسريع إخراج المشاريع إلى حيز التنفيذ.

أما الأحزاب السياسية، فرغم أهميتها الدستورية، فإن حضورها في العالم القروي يختلف عن المدن. ففي كثير من الأحيان يصبح الحزب مجرد إطار تنظيمي يخوض من خلاله المرشح الانتخابات، بينما يظل الوزن الحقيقي مرتبطًا بشخصه وعائلته وامتداده الاجتماعي أكثر من ارتباطه بالهوية الحزبية وحدها. كما أن نسبة المشاركة تعرف في كثير من الأحيان ارتفاعًا عندما تتزامن الانتخابات التشريعية مع الانتخابات الجماعية، إذ تشكل الاستحقاقات المحلية عاملًا رئيسيًا في تعبئة الناخبين. ويعود ذلك إلى طبيعة الرهانات المحلية وإلى كون المنافسة ترتبط بفاعلين يعرفهم المواطن عن قرب، تجمعه بهم روابط اجتماعية أو عائلية أو قبلية وهو ما يجعل الدينامية التي تخلقها الانتخابات الجماعية تنعكس إيجابًا على نسبة المشاركة.

وفي المحصلة لا يمكن اختزال السلوك الانتخابي في العالم القروي في عامل واحد، فهو نتاج تفاعل بين القبيلة، والقبلية والأعيان، والأحزاب، والعائلة، والجمعيات، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومستوى الوعي السياسي، والخصوصيات المحلية لكل منطقة. كما أن تأثير هذه العوامل يختلف من مجال قروي إلى آخر بحسب بنيته الاجتماعية وطبيعة التنافس السياسي داخله. ورغم التحولات التي يعرفها العالم القروي مع توسع التعليم، والهجرة، والرقمنة، وظهور نخب شابة جديدة، فإن شبكات الثقة المحلية والامتداد العائلي والرصيد الاجتماعي ما تزال تحتفظ بمكانة مؤثرة في تشكيل السلوك الانتخابي، الأمر الذي يجعل فهم هذا السلوك رهينًا بقراءة خصوصيات كل مجال على حدة، بعيدًا عن التعميم أو اختزال الظاهرة في عامل واحد.