وجهة نظر

إضراب المحامين في المغرب والحق في الحد الأدنى من الخدمة القضائية والامن القضائي

وصل مشروع قانون المحاماة إلى المحطة الأخيرة من المسطرة التشريعية، ومعها ارتفع سقف احتجاج هيئات المحامين بالمغرب بالدعوة إلى التوقف الشامل عن تقديم الخدمات القانونية والدفاع. واعتبرت جمعية هيئات المحامين، في بيان صادر عقب اجتماع مكتبها، أن التعديلات المصادق عليها تمس باستقلالية المهنة ومكتسباتها الأساسية، متهمة الحكومة بالتراجع عن التوافقات التي تم التوصل إليها خلال جلسات الحوار السابقة. وأكدت الجمعية رفضها لأي مساس بالتدبير الذاتي للمهنة أو بمنظومتي التكافل والتعاضد الخاصتين بالمحامين، ولوحت بخطوات تصعيدية جديدة.

ونتيجة لذلك، تم تعليق القيام بالإجراءات أمام المحاكم، وهو ما يجعل من إضرابات المحامين اختبارا حقيقيا لمبدأ الحد الأدنى من الخدمة في المرافق الحيوية الذي تم التنصيص عليه في قانون الإضراب، حيث أدى الإضراب إلى شلل أو جمود تام في سير العمل بالمحاكم، مما يبرز صعوبة الموازنة بين حق الإضراب وضمان استمرارية الخدمة القضائية، وهو ما ترتب عنه مساس بحقوق المتقاضين.

ولا شك أن هذا الوضع يطرح تساؤلا حول مبدأين أساسيين هو مبدأ الأمن القضائي والقانوني ومبدأ الاستمرارية في تقديم الخدمات العمومية في جميع الحالات، كما ينص على ذلك الفصل 154 من الدستور. بل إن حالة الاستثناء المنصوص عليها في الفصل 59، فيما يتعلق بالأمور السياسية للدولة، نصت على بقاء البرلمان وكفالة الحقوق والحريات في كل الأوضاع. ولكن ماذا عن مرفق العدل الذي كان ولا يزال من وظائف الدولة، سواء بشكلها الدركي أو التدخلي؟ فما يعيشه قطاع العدل في الوقت الحالي يثير عددا من التساؤلات، خاصة بالنسبة للمواطن المتقاضي الذي تجرع مرارة توقف خدمات المحاكم وتضررت مصالحه، والأكثر من ذلك، حرية الأشخاص المعتقلين أو المتابعين، خاصة في ظل إلزامية توكيل محام لتمثيل الأفراد أمام القضاء في معظم الدعاوى.

وتجدر الإشارة أيضا أن القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة ينص في المادة 39 على أنه: “لا يجوز للمحامين في كل الأحوال أن يتفقوا، متواطئين فيما بينهم، على أن يتوقفوا، كليا، عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات”. وبقراءة متأنية للنص، نجده يمنع الاتفاق الجماعي على التوقف الكلي عن العمل، وهو ما يجعل الإضراب الشامل الذي يقاطع كل الجلسات، بما فيها جلسات الأحداث والاعتقال، محل خلاف قانوني. وفي قرار مبدئي صادر عن محكمة النقض بتاريخ 15 ماي 2025، والذي اعتبرته الأوساط القانونية اعترافا ضمنيا بمشروعية إضرابات المحامين، حيث اعتبرت أن إقدام المحكمة على البت في قضية رغم تخلف المحامي تنفيذا للإضراب، يشكل خرقا لحق الدفاع ويوجب نقض الحكم، وهذا يعد اعترافا غير مباشر بشرعية الإضراب وانعكاساته. غير أنه في قرار لاحق صدر بتاريخ 13 يناير 2026، تراجعت محكمة النقض عن موقفها السابق مستندة إلى مبرر جديد اعتبرت فيه أن “الإضراب الذي ينفذه المحامون لا علاقة له بممارسة حقوق الدفاع”.

ونشير إلى أن مسألة الإطلاق والتقييد في ممارسة حق الإضراب أثارت العديد من النقاشات القانونية، وكانت موضوع اجتهادات قضائية عديدة، وتكلل هذا المسار بصدور القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بممارسة حق الإضراب في المغرب، الذي حدد قواعد وشكليات ممارسته والعقوبات القانونية. وبإسقاط مسألة إضراب هيئات المحامين على الإطار الذي رسمه القانون التنظيمي المذكور، تبرز عدة ملاحظات شكلية وموضوعية.

فبخصوص سريان القانون التنظيمي لقانون الإضراب على المحامين، نجد المادة 4 من القانون السالف الذكر تنص على القانون المذكور يسري على القطاعين العام والخاص وعلى المهنيين. وهذا التحديد يثير تساؤلات حول وضع المحامين، فهم ليسوا موظفين ولا أجراء، بل هم مهنة حرة ينظمها قانون خاص، مما يضعهم في منطقة رمادية، وبقراءة أولية توحي بأنهم يخضعون لأحكامه تحت فئة المهنيين.

أما بخصوص تكييف مطالب المحامين ، حتى يمكن القول إن كانت تندرج ضمن ما هو محدد في المادة 3 التي تعرف الملف المطلبي باعتباره كل مطلب أو أكثر يروم تحسين الأجور أو تحقيق امتيازات مادية أو اقتصادية أو اجتماعية أو مهنية ذات الصلة بظروف العمل أو بممارسة المهنة، فإن مطالب المحامين تتمحور حول نص قانوني يخضع للمسطرة التشريعية التي حددتها الوثيقة الدستورية من حيث الشكل والمتدخلين فيها، في حين أن مطالب المحامين تباينت بين المطالبة بسحب المشروع، لتتحول إلى سحب بعض التعديلات التي تم الاتفاق عليها مع رئيس الحكومة، لينتهي المسار إلى التوقف الشامل عن تقديم الخدمات عندما صادق مجلس المستشارين على مشروع قانون المحاماة.

ومن تم فالقول بسريان أحكام القانون يبقى صعبا أيضا من حيث أن مسطرة تنظيم الإضراب تركز بشكل أساسي على أجراء القطاعين العام والخاص ونقابات العمال، ومن الصعب الجواب عن الجهة المخولة لها الدعوة للإضراب: هل هي هيئات المحامين أم جمعية هيئات المحامين؟ وكذلك من الصعب تحديد الجهة التي يوجه لها قرار الإضراب: هل رئيس الحكومة باعتباره المؤهل قانونا عندما يتعلق الأمر بالدعوة إلى الإضراب على الصعيد الوطني، أم وزير العدل عندما يتعلق بمرفق عمومي معين؟ فالمادة 11 من القانون المذكور تنص على أنه تتم الدعوة إلى الإضراب بالنسبة للمهنيين … من قبل منظمة نقابية تمثلهم حسب الحالة، وينطبق هذا الأمر على بلاغ جمعية هيئات المحامين بالدعوة إلى التوقف الشامل.

أما بخصوص المرافق الحيوية، فقد حددها القانون المذكور في تلك الأنشطة التي يمارسها المهنيون أو المرافق التابعة للقطاع العام أو القطاع الخاص أو هما معا، والتي تقدم خدمة أو خدمات أساسية من شأن توقف العمل بها كليا أو جزئيا أن يعرض حياة الأشخاص أو أمنهم أو صحتهم وسلامتهم للخطر. ومن ثم، يمكن اعتبار الأمن القانوني والقضائي من مشمولات المرافق الحيوية التي يقدمها قطاع العدل، مما يتطلب من الدولة السهر على توفير هذه الخدمة الأساسية. ومن ثم، فممارسة حق الإضراب في المرافق الحيوية جائزة شريطة توفير حد أدنى من الخدمة فيها، والتي أُدرجت من ضمنها المحاكم بمختلف أصنافها ودرجاتها، وأيضاً المهن القانونية والقضائية المرتبطة بها، ولا خلاف أن المحاماة هي من طائفة هذه المهن بل هي المساعدة للقضاء. ولكن المصطلحات المستعملة لتنظيم هذا الأمر تشير فقط إلى فئة العمال وليس المهنيين، حتى يمكن أن نسقط هذا المقتضى على المحامين.

كما أن المحكمة الدستورية أكدت في قرارها رقم 251/25 (12 مارس 2025) دستورية هذا المقتضى بالقول: “وحيث إن تحديد لائحة هذه المرافق الحيوية في القانون التنظيمي المحال، والتي يشترط فيها توفير حد أدنى من الخدمة، يجد سندا له في الدستور، إما بارتباط هذه المرافق حسب الحالة بحقوق وبحريات يكفلها الدستور، أو بالتزامات يقرها. وحيث إن تحديد هذه المرافق الحيوية والكيفيات المتعلقة بذلك، جاء موازنا بين حق الإضراب المضمون دستوريا وبين ما أوجبه الفصل 37 من الدستور على جميع المواطنات والمواطنين، والعاملين والمهنيين والمشغلين من بينهم، من ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات. وحيث إن ما نصت عليه الفقرة الخامسة من هذه المادة من تطبيق أحكام الاتفاق بين الجهة الداعية للإضراب والمرفق العمومي مع إمكانية اللجوء، في حالة عدم الاتفاق، إلى الإحلال أو إلى التدابير المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من هذه المادة، يجد سنده في متطلبات استمرارية المرافق العمومية في أداء الخدمات، طبقا للفصل 154 من الدستور”.

وبالرجوع إلى التشريع المقارن، نجد على سبيل المثال أن إيطاليا تأخذ بنموذج “الخدمات الأساسية” المنظمة بالقانون رقم 146 لسنة 1990، الذي يحدد مسبقا الخدمات التي لا يمكن تعطيلها (كالمحاكمات الجنائية)، وتتدخل السلطات العامة لتحديد الحد الأدنى من الخدمات عند الفشل في التوصل إلى اتفاق.

نخلص إلى أن إضرابات المحامين تنفذ فعليا كتعبير عن حقهم، لكن الأساس القانوني المنظم لهذا الإضراب تحديدا (هل هو قانون الشغل أم قانون المهنة) لا يزال غير محسوم في ظل رمادية أحكام قانون الإضراب. وهذا الوضع يمكن أن يفتح الباب نحو سيناريو تشريعي يجيز للأفراد والشركات الدفاع عن مصالحهم مباشرة أمام القضاء في الحالات الاستثنائية، من باب المراسيم الضبطية التي تخول للحكومة اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لسير المرافق العمومية وحماية النظام العام.

كما أن هذا التوقف الشامل عن توفير خدمة التقاضي تفتح الباب نحو إثارة مسؤولية الدولة عن قيامها بالتدابير الكفيلة بتمكين الافراد من الولوج إلى العدالة، الامر الذي يؤدي إلى إلحاق أضرار بهم سواء بصفتهم متقاضين عاديين أو أشخاص موجودين في حالة اعتقال، وعلى هذا الأساس يبقى الحق الأدنى في الخدمة القضائية من مشمولات الأمن القضائي والقانوني التي سهر دستور 2011 على دسترها سواء عبر تعزيز استقلال السلطة القضائية أو توسيع ضمانات المحاكمة العادلة.

* أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط