بتاريخ 8 يوليوز 2026، أحال السيد رئيس مجلس النواب، مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة 66.23، وذلك استنادًا للفقرة الثالثة من الفصل 132 من دستور 2011، وتؤطر هذه الإحالة إجرائيًّا بالمادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، التي تنص على أن إحالة القوانين تتم برسالة من إحدى الجهات المخول لها ذلك، ومن بينها رئيس مجلس النواب.
وينص الفصل 132 من الدستور، في فقرته الرابعة أنه: “تبت المحكمة الدستورية داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة، غير أن هذا الأجل يخفض إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة، إذا كان الأمر يتعلق بحالة استعجال”.
ويتبين من القراءة الأولى أن المقصود بالإحالة، هي الإحالتان الإلزامية والاختيارية معًا، لكن بالاستناد واستقراء الفصل 132 ننجد أنه لم يحدد جهة معينة تتولى الإحالة الإلزامية، لكنه أوجب “تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها”، وأنه طالما أن الجهة التي تحيل القانون التنظيمي هي الجهة التي ستطلب إصدار الأمر بتنفيذه، وهي رئيس الحكومة، وهذا ما تؤكده جميع السوابق منذ دستور 2011.
لذلك فإنه من الملائم استنادًا إلى النصوص أعلاه، استنتاج أن طلب الحكومة الرامي إلى تخفيض أجل البت من شهر إلى ثمانية أيام، هو ذلك الطلب المرتبط بالإحالة الصادرة حصرًا عن رئيس الحكومة والتي تتعلق بالقوانين التنظيمية، طالما أن أجل التخفيض الاستثنائي خصه النص الدستوري حصرًا للحكومة دون باقي الجهات المخول لها إحالة القوانين، وهو ما تؤكده الإحالات السابقة من رئيس الحكومة على المحكمة الدستورية المتضمنة لطلب خفض أجل البت المرتبط بحالة استعجال، كونها صادرة جميعها عن رئيس الحكومة وأنها جميعها قوانين تنظيمية، وهي السوابق التالية:
القرار 817/2011 المتعلق بالقانون التنظيمي لمجلس النواب، وقد أحاله رئيس الحكومة.
القرار 820/2011 المتعلق بالقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، وقد أحاله رئيس الحكومة.
القرار 854/2011 بشأن القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا.
القرار 862/2012 بشأن القانون التنظيمي نفسه بعد تعديله.
القرار 2123/2025 المتعلق بتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب، وقد أحاله رئيس الحكومة.
لكن الفقرة الرابعة من الفصل 132 من الدستور، نصت: “تبت المحكمة الدستورية في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من هذا الفصل، داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة..”.
وأنه باستقراء الفقرة الثانية، نجدها تتعلق بإحالة القوانين التنظيمية إلى المحكمة الدستورية، بينما حددت الفقرة الثالثة الجهات المخول لها إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية، وأنه بذلك يتضح أن القوانين التنظيمية والعادية كلاهما يخضعان لأجل الشهر من تاريخ الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتهما للدستور.
غير أن الاختصاص المتعلق بتقديم طلب تخفيض الأجل من شهر إلى ثمانية أيام، يتم حصرًا بطلب من الحكومة، أي من طرف رئيس الحكومة، وليس كل الحكومة، إذ لم ترد هذه الصيغة الأخيرة مجردة في الفصل 132، وكانت دائمًا الحكومة ممثلة في رئيس الحكومة.
وأنه لما كان الأمر كذلك، أي اختصاص الحكومة وحدها واستفرادها طبقًا للفقرة الرابعة من الفصل 132 بطلب تخفيض الأجل، فإن الفقرتين الثالثة والرابعة من الفصل 132 كلتيهما تضمنتا، اعتبار رئيس الحكومة ضمن الجهات التي يمكنها ممارسة اختصاص الإحالة، أي للقوانين التنظيمية طبقًا للفقرة الثانية من الفصل 132، وكذلك للقوانين العادية، المعبر عنها بلفظ “القوانين”.
أي أنه، تنعقد الصلاحية الدستورية لرئيس الحكومة بطلب تخفيض أجل البت، سواء تعلق الأمر بإحالته للقوانين التنظيمية، أو القوانين العادية.
لكن، هل هذه المكنة الدستورية، تنعقد له، في جميع الأحوال، أو عندما ترتبط بالضرورة بممارسته لصلاحية الإحالة إلى المحكمة الدستورية؟ وهل تتطلب ضرورة المسطرة المرتبطة بحالة استعجال، تقديمها ضمن طلب الإحالة نفسه أو إمكان استقلالها عن الطلب الأصلي أي استقلالها في تقديمها إلى المحكمة الدستورية وثيقة وتاريخًا؟
يتضح من خلال الفصل 132 من الدستور، الفقرة الخامسة منه، أنها نصت على: “تبت المحكمة الدستورية في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من هذا الفصل، داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة..”.
ويفهم منها أن الحديث عن الأجل العادي المحدد في شهر للبت، والتخفيض منه إلى ثمانية أيام، مرتبط بالحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة، وأن هذا الارتباط معناه هو سريان الأثر المسطري وتحقق الاستفادة منه، لزومًا، بعد تحقق الحالات، والمقصود بالحالات، هو تحقق الوضعية الدستورية المتعلقة بالإحالة سواء للقوانين العادية أو التنظيمية، تحققًا فعليًّا، وليس نظريًّا، أي بعد الإحالة من طرف إحدى الجهات المخولة بذلك، ومنها رئيس الحكومة.
إذًا، إذا لم يمارس رئيس الحكومة، الإحالة، وفق الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة، فإنه لا يستفيد بالمنطق الدستوري نفسه، المستقرأ من الفصل 132، من أي أجل، سواء كان أجلاً عاديًّا أو ذلك الأجل المرتبط بحالة استعجال.
وأنه بالاطلاع على الفقرة الرابعة من الفصل 132 التي نصت: “غير أن هذا الأجل يخفض إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة، إذا كان الأمر يتعلق بحالة استعجال”، فإنه يتضح أن هذه الفقرة لم تحدد صيغة الطلب، وحددت فقط ضرورة استناده إلى حالة استعجال، ويفهم منه، أن أجل الثمانية أيام، يحتسب بالضرورة من تاريخ تقديم الطلب المتضمن بيان حالة الاستعجال من طرف رئيس الحكومة، وأنه لما كانت الفقرة الرابعة لم تتحدث عن إلزام الحكومة بتضمين حالة الاستعجال في طلب الإحالة تحت طائلة سقوط الحق، بل لم تتحدث عن سقوط الحق، بعد الإحالة العادية ضمن الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة، ويفهم منه، أنه لرئيس الحكومة بعد إحالته للقوانين العادية والتنظيمية، إمكانية طلب تخفيض الأجل من شهر إلى ثمانية أيام، بواسطة طلبه المتضمن لحالة استعجال.
إذًا يتبين من خلال الإحالة التي مارستها الجهة المتمثلة في رئيس مجلس النواب لمشروع قانون المحاماة إلى المحكمة الدستورية، أنها حققت الحالة الدستورية المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132، وبالتالي جَبَّتْ كل إمكانية لرئيس الحكومة أن يتقدم بطلب الإحالة لنفس مشروع القانون، ومنه، جَبَّتْ إمكانية إثارة حالة الاستعجال، لارتباطها بضرورة تحقق الحالة الأصلية، سواء الإحالة من طرف رئيس الحكومة مع تضمينه طلبًا متزامنًا يخص خفض أجل البت إذا تعلق الأمر بحالة استعجال، أو إذا أحال رئيس الحكومة نص مشروع القانون، إحالة عادية، وتبين له بعدها، حالة استعجال، فإن له أيضًا أن يطلب من المحكمة الدستورية خفض أجل البت.
ويستنتج من الصياغة الدستورية للفقرة الرابعة من الفصل 132 من الدستور، أن طلب الحكومة الرامي إلى تخفيض أجل البت من شهر إلى ثمانية أيام، يشترط تعلق الأمر برمته، موضوعًا وسببًا، بحالة استعجال.
وحيث إن عبارة “إذا كان الأمر يتعلق” يمكن مقاربتها ضمن نسق المعنى المحدد بالنص الدستوري، بارتباط لفظ الأمر بمعنى الظرف، ومعلوم أن الظرف يدخل في تكونه ونشأته كل ما من شأنه الدلالة على فرادة الموقف لانعقاد شروط خاصة مخالفة للمألوف من العادة، وهنا المألوف هو الأصل في الإحالة، أي الإحالة العادية للقوانين التنظيمية التي يبت فيها ضمن الأجل العادي الذي هو الأصل وهو أجل شهر، والظرف إذا ما نحن أجزنا له دلالة فرادة طبيعة القانون نفسه، واستدللنا على وجه هذه الفرادة من النص الدستوري، فإنه بالرجوع إلى ما أقره الدستور في الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور فإنها نصت: “تحال القوانين التنظيمية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور”، فيتبين أن القوانين التنظيمية وليست القوانين العادية كمشروع قانون المحاماة، هي التي حددتها الفقرة الرابعة وعنتها بإلزامية الإحالة، طبقًا لنص الدستور، لارتباطها كما هو بيّن من طبيعة هذه القوانين التنظيمية بوضعيات السير المؤسساتي ونظمه، ولكون هذه القوانين التنظيمية وما حظيت به من إلزامية الإحالة، فإنها تتضمن تلقائيًّا، قرينة دستورية، بكونها تتمتع بالأولوية حتى في بناء الفصل 132 من الدستور نفسه، وذلك راجع لعلل عديدة، منها أنه لا يتصور أن تسير مؤسسات دستورية في عملها وتشتغل وتنتج آثارًا قانونية، وهي مستندة على قانون تنظيمي تتضمن بعض مواده ما يخالف الدستور أولاً، ومنه الاستنتاج أن الأولوية في تحقق حالة استعجال مرتبطة بالقوانين التنظيمية بالأسبقية عن القوانين العادية.
ومنه نستنتج أن الرعاية التي أفردها الدستور لهذا النوع من التشريع، هي عناية مسطرية خاصة تضمن فحص مضمونه، وتأسيس اليقين الدستوري بخصوص مطابقته له من عدمه.
ولا أدل على هذا الأمر، أقصد عدم إثارة حالة استعجال مرتبطة بالإحالة من طرف رئيس الحكومة، فيما يخص مشروع قانون عادي، منذ تنصيب المحكمة الدستورية إلى اليوم، وحتى في مرحلة المجلس الدستوري، إذ لم أطلع على سابقة اجتمعت فيها الشروط التالية:
أن يكون المحال قانونًا عاديًّا.
أن يطلب المحيل أو الحكومة البت داخل أجل الثمانية أيام.
وأن يصدر القرار فعلاً وفق المسطرة الاستعجالية.
وحيث إنه، واستنادًا إلى جميع القرارات التي طالعتها، والتي بتت فيها المحكمة الدستورية في مسألة مطابقة مواد القانون المحال للدستور، استنادًا إلى الأجل المخفض المحدد في ثمانية أيام والمرتبط بحالة استعجال، كانت تتعلق بقوانين تنظيمية أحالها رئيس الحكومة.
من حيث تعلق الأمر بحالة استعجال:
وحيث تأسست حالة الاستعجال التي أوجبت الاستجابة لها وإصدار القرار داخل ثمانية أيام، فيما يخص القرارات السابق الإشارة إليها وهي القرارات:
القرار 817/2011 المتعلق بالقانون التنظيمي لمجلس النواب، وقد أحاله رئيس الحكومة.
القرار 820/2011 المتعلق بالقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، وقد أحاله رئيس الحكومة.
القرار 854/2011 بشأن القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا.
القرار 862/2012 بشأن القانون التنظيمي نفسه بعد تعديله.
القرار 2123/2025 المتعلق بتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب، وقد أحاله رئيس الحكومة.
ويتضح من هذه السوابق، أنه بخصوص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ومجلس المستشارين، في سياقهما المرتبط بالظرف المؤسس لحالة استعجال، ارتباطهما بافتتاح الدورة التشريعية الموالية، أي لا يتصور أن يفتتح البرلمان وقانون مجلس النواب ومجلس المستشارين لم ينشرا بالجريدة الرسمية ولم يدخلا حيز التنفيذ، وهذا الربط متصور بحكم الواقع، وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الدستورية لم تناقش سابقًا، حالة الاستعجال، لتعلق الطلب دائمًا بالقوانين التنظيمية.
لكن حالة الاستعجال اليوم، المقدمة من طرف الحكومة هي أولاً متعلقة بقانون عادي وليس تنظيميًّا، وجهة الإحالة الأصلية، أي رئيس مجلس النواب لم يشر إلى حالة الاستعجال، إذن فحالة الاستعجال المثارة في الطلب تبقى تقديرية محضة، وليست واقعية أو قانونية، ومنه نتأكد أننا أمام وضع جديد، وهو عدم نفاذ السوابق التي أشرنا إليها في هذه الحالة بالذات، أي في طلب الاستعجال والتعجيل الذي تقدمت به الحكومة اليوم.
وأن للمحكمة الدستورية كامل الصلاحية طبق الدستور، أن تبسط سلطتها التقديرية، للوقوف على تحقق حالة الاستعجال من عدمه، لعدم تعلق القانون المحال بالقوانين التنظيمية.
ورأيي الشخصي، هو أنني أميل إلى عدم تحقق حالة الاستعجال، كون أن المحكمة الدستورية تبت في نص القانون العادي المحال بطريقة عادية، التي هي الأصل، والاستعجال استثناء مبرر لكنه واجب الإثبات، كلما تعلق الأمر بقانون عادي، لا يستفيد من الإحالة الإلزامية بطبيعته.
وأخيرًا، فإنه يبرز اختلاف آخر جوهري، هو أنه في هاتين السابقتين المذكورتين أعلاه، أي المتعلقة بقرار المحكمة الدستورية رقم 817/2011 و820/2011 لم تبت المحكمة الدستورية بهذه الصفة، إذ إنه بتاريخ الإحالتين من الحكومة، كانت المحكمة الدستورية لم تنصب بعد في إطار ما اقتضاه دستور 2011، واستمر وجود المجلس الدستوري واشتغاله، بمقتضى الأحكام الانتقالية للدستور، لذلك فمصدر القرار آنذاك لم تكن المحكمة الدستورية باختصاصاتها، وإنما المجلس الدستوري وفق قانونه التنظيمي وطبقًا للدستور.
مما يجعل الوضع اليوم مختلفًا من حيث اختلاف جهة البت وطبيعة القانون المحال وجهة الإحالة وجهة صدور طلب الاستعجال ومدى تحققه ووجوده، وفي مدى أحقية الحكومة في إثارة طلب خفض أجل البت، غير المؤسس على تحقق الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 132 من الدستور.