منتدى العمق

ما الذي يبقى بعد صافرة النهاية؟

تُختتم المباريات بصافرات الحكام، وتُطوى صفحات البطولات بمرور الأيام، غير أن سؤالًا يظل عالقاً في الأذهان: ما الذي يخلد بعد صافرة النهاية؟ أهي النتيجة التي سُجلت في لوحة المباراة، أم الأثر الذي يستقر في القلوب ويأبى أن يغادر الذاكرة؟

وهل أفلح أسود الأطلس في صناعة ذلك الأثر؟ وما سر تعلق الملايين بهذا المنتخب؟ أهي المهارة الكروية وحدها، أم ما قدمه لاعبوه من رسائل إنسانية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، فلامست القلوب قبل أن تأسر الأنظار؟

لقد أثبت المنتخب المغربي قدرته على تجاوز التوقعات، بروحه القتالية، وانضباطه التكتيكي، ورؤية مدربه الحكيمة، حتى غدا نموذجًا لفريق يمثل وطنه خير تمثيل داخل الملعب وخارجه، بروح لا تؤمن بالاستسلام، وإرادة توقن بأن النجاح يبدأ بالإعداد الجاد، ويثمر بالعمل والانضباط.

فهل تكفي المهارة الكروية لصناعة المجد أم أن هناك ما هو أسمى و أعمق؟

لا شك أن الموهبة، والانضباط، والعمل الجماعي، عناصر أساسية في صناعة الإنجاز، لكن التاريخ الرياضي يعلمنا أن الجماهير لا تختزن في ذاكرتها عدد الأهداف بقدر ما تتذكر الفِرق التي تركت أثرًا في الوجدان.

ولعل هذا ما حدا بالصحافة العالمية إلى التوقف طويلًا عند التجربة المغربية. فقد رأت صحيفة الغارديان The Guardian أن المغرب أصبح نموذجًا يُحتذى به في القارة الإفريقية، مؤكدة أن ما يحققه اليوم ليس وليد الصدفة، بل ثمرة مشروع طويل المدى، قائم على التخطيط والاستقرار والعمل المتواصل.

وفي السياق نفسه، أبرزت وكالة رويترز Reuters شخصية المنتخب الواضحة، وروحه الجماعية، والانضباط الذي يميزه، معتبرة أن هذه العناصر كانت من أهم أسباب الاحترام الذي حظي به في المحافل الدولية.

أما صحيفة لوموند Le Monde الفرنسية، فرأت أن حضور منتخب المغرب بهذا المستوى من المنافسة يمثل ثمرة سنوات طويلة من الاستثمار في الإنسان، وتطوير البنية الكروية، وبناء مشروع رياضي واضح المعالم.

فما سر تعلق العالم بالمنتخب المغربي؟

لأن العالم لا يصفق دائمًا لمن يفوز، بل يفخر دوما بمن يحمل رسالة.

لقد وجد كثير من المتابعين في المنتخب المغربي قصة شعب آمن بحلمه، وفريق حمل هويته باعتزاز، وقدم صورة مشرقة عن وطنه، فاستحقت تجربته التقدير قبل الانبهار.

ولذلك لم تقتصر فرحة الانتصارات على الحدود المغربية، بل تجاوزتها إلى الشعوب العربية والإفريقية، وإلى شعوب من ثقافات مختلفة، رأوا في أسود الأطلس نموذجًا لفريق تمكن من أن يجمع بين المنافسة الشريفة والاعتزاز بالقيم، فكان نجاحه انتصارًا للإنسان قبل أن يكون انتصارًا لكرة القدم.

و من هنا يبدأ الوجه الآخر للحكاية…

فما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى ارتفعت الجباه ساجدة شكراً لله، في مشهد لم يكن احتفالا بالنصر بقدر ما كان ترجمة صادقة للامتنان. ثم امتدت الأيادي بعدها لتضم الآباء والأمهات بالأحضان.
لم تكن تلك الصور مجرد لقطات عابرة تناقلتها وسائل الإعلام، بل كانت رسائل إنسانية صامتة، أعادت إلى الأذهان أن النجاح لا يكتمل إلا بالوفاء، وأن البطولة الحقيقية لا تقاس بعدد الكؤوس، وإنما بما تتركه من أثر في النفوس.

لقد أثبت أسود الأطلس أن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع العالمية، وأن التمسك بالقيم لا يمنع من مواكبة الأمم، وأن رفع راية الوطن، لا يكون برفع الكأس وحده، بل بالنهوض بالقيم و إعلاء الهمم.
ولعل أبهى و أبقى صورة في ذاكرة المتابع للحدث، ليست هدفا حاسما، ولا كأسا مرفوعة، بل تلك اللحظة التي سجدت فيها جباه اللاعبين على أرضية الملعب امتناناً لرب العالمين.
فكان تكريم الساجدين حين انحنى المجد أمام رضا الوالدين.

وهنا تتجلى الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به…

إن الذي يبقى بعد صافرة النهاية ليس النتيجة وحدها، بل الأثر.
قد تنتهي المباريات بإطلاق الصافرات، وقد تُنسى النتائج مع تعاقب البطولات، لكن القيم الصادقة، والمواقف النبيلة، والقدوة الحسنة، لا تعرف صافرة نهاية، بل تواصل رحلتها في ذاكرة الشعوب، لتؤكد أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُسجل في لوحات المباريات، بل تلك التي تبقى خالدة في القلوب.

تعليقات الزوار