وجهة نظر

الفصل 17.. النصّ الذي تخشاه الأحزاب وتتهرّب منه الحكومات

منذ خمسة عشر عاماً، يقف الفصل 17 من دستور 2011 كمرآة تعكس خللاً بنيوياً عميقاً في هندسة القرار السياسي المغربي؛ خللٌ لا يتعلق فقط بغياب قانون تنظيمي، بل بغياب إرادة مؤسساتية كاملة لتحويل الحق الدستوري إلى ممارسة فعلية. لقد تحوّل هذا الفصل إلى نصّ معلّق بين السماء والأرض، لا هو مُفعّل ولا هو مُلغى، يطفو كجملة جميلة في وثيقة تأسيسية، بينما الواقع التشريعي يواصل الدوران في حلقة فراغ لا تنتهي. فمنذ إدراج مشروع القانون التنظيمي في أجندة حكومة بنكيران سنة 2016 ثم تجميده بلا تفسير، مروراً بحكومتي العثماني وأخنوش اللتين لم تقدّما أي بديل أو حتى دراسة جدوى تقنية، ظلّ هذا النصّ في حالة “تعطيل مؤسسي” لا يمكن وصفه بأنه مجرد تأجيل، بل هو تجاهل ممنهج للروح الدستورية التي أرادت أن تجعل من مغاربة العالم جزءاً من الجسم السياسي الوطني.

وقبل الاسترسال في هذا التشخيص، يفرض نفسه سؤال لا يمكن تجاوزه: كم من قانون انتخابي صادقت عليه الحكومات المتعاقبة منذ 2011، ولماذا عجزت – أو امتنعت – عن صياغة القانون التنظيمي الذي يفرضه الفصل 17 لتسهيل المشاركة البرلمانية من دول الإقامة؟ هذا السؤال ليس استنكاراً بل تشخيصاً؛ فالدولة راكمت أكثر من خمسة وعشرين قانوناً انتخابياً وتنظيمياً، وعدّلت المنظومة الانتخابية مرات عديدة، وأعادت تشكيل الدوائر واللوائح والأنظمة، لكنها تركت القانون الوحيد الذي يهمّ الجالية خارج كل هذه الديناميكة التشريعية، كأن ملايين المغاربة بالخارج ليسوا جزءاً من الجسم السياسي الوطني.

الأحزاب السياسية لم تتعامل مع الفصل 17 كحقّ دستوري، بل كملف بلا عائد انتخابي. في غياب دوائر خارجية أو نظام انتخابي يمنح صوت الجالية وزناً داخل الخريطة السياسية، ظلّ ملايين المغاربة بالخارج كتلة انتخابية غير مؤثرة، وبالتالي غير مرغوب فيها. هذا ليس نقصاً في الأخلاق السياسية، بل خلل في هندسة التمثيلية نفسها؛ فالأحزاب لا تتحرك إلا عندما ترى مكسباً، والدولة لم توفر لها أي مكسب. هنا يظهر جوهر المشكلة: النظام الانتخابي المغربي مصمّم بطريقة تجعل تفعيل الفصل 17 عملاً تطوعياً لا ضرورة سياسية، بينما التجارب المقارنة – من فرنسا إلى تونس – أثبتت أن إدماج الجالية لا يتحقق إلا عندما يصبح صوتها جزءاً من معادلة السلطة، لا مجرد شعار في الخطابات الرسمية.

الحكومات المتعاقبة بدورها لم تكتفِ بالتأجيل، بل مارست شكلاً من “الإدارة السلبية للحق الدستوري”. لم تُقدّم أي حكومة دراسة تقنية حول كيفية إحصاء الناخبين بالخارج، أو كيفية توزيع الدوائر، أو كيفية ضمان نزاهة التصويت الإلكتروني أو البريدي، رغم أن هذه الإشكالات حُلّت في دول أقل إمكانيات من المغرب. لقد اختارت الحكومات الاحتماء خلف تعقيدات يمكن حلّها، بدل مواجهة مسؤوليتها الدستورية في تفعيل الحق. هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تعطيل مؤسساتي، لأن الدولة ليست مطالبة بتوفير الحق فقط، بل بتوفير شروط ممارسته.

أما البرلمان، فقد اكتفى بدور المتفرّج. ثلاث جلسات أسئلة شفهية خلال ولايتين تشريعيتين لا يمكن اعتبارها رقابة، ولا حتى اهتماماً. لم تُقدّم أي لجنة استطلاعية، لم يُطرح أي مقترح قانون تنظيمي، لم يُمارس أي ضغط على الحكومة. لقد تحوّل البرلمان إلى جزء من المشكلة، لا جزء من الحل، لأنه ترك حقاً دستورياً في حالة “مواطنة ناقصة” دون أن يحرّك ساكناً. هذا الصمت التشريعي ليس بريئاً، بل هو تعبير عن غياب رؤية سياسية تعتبر الجالية امتداداً للمجتمع السياسي، لا مجرد كتلة اقتصادية تُرسل التحويلات المالية.

الدولة، بوصفها مجموع هذه السلطات، تركت الفصل 17 في منطقة رمادية: نصّ موجود لكنه غير قابل للحياة، حقّ مُعلن لكنه غير قابل للممارسة. هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بغياب الإرادة، بل بغياب التصميم المؤسسي الذي يجعل تفعيل الحق ضرورة سياسية لا خياراً. الحلّ لا يكمن في استجداء ضمير المؤسسات، بل في إعادة هندسة اللعبة السياسية نفسها: فتح دوائر انتخابية بالخارج، أو تخصيص مقاعد للجالية، أو إلزام الحكومة بآجال دستورية لتقديم القانون التنظيمي، أو ربط أصوات الجالية بالدوائر الوطنية بطريقة تجعل الأحزاب تتنافس عليها كما تتنافس على أصوات الداخل.

الفصل 17 ليس نصاً للزينة، بل هو وعد دستوري لملايين المغاربة. وكل سنة تمرّ دون تفعيله هي سنة تُضعف الثقة في المؤسسات، وتُبقي الجالية في وضع مواطنة ناقصة، وتُفرغ الدستور من محتواه العملي. لقد آن الأوان لتحويل النص إلى قانون، والقانون إلى ممارسة، والممارسة إلى حقّ فعلي، لا إلى شعار يُرفع في المناسبات. إن تفعيل الفصل 17 ليس مسألة تقنية ولا مسألة سياسية فحسب، بل هو اختبار لقدرة الدولة على احترام روح دستورها، وعلى تحويل المواطنة إلى ممارسة لا إلى وعد مؤجل.