منوعات

قراءة في مضامين مشروع القانون رقم 046.26 المتعلق بالمجلس الوطني للمعلومة الإحصائية

سبق لي في إطار البحث العلمي أن ساهمت بمقال علمي موسوم ب: “حكامة النظام الإحصائي المغربي:…أية آفاق“؟ والذي نشر بعدد من المجلات العلمية المحكمة والجرائد الوطنية المكتوبة والمواقع الالكترونية، ومن بين أهم ما استشرفه المقال هو إحداث مجلس للحكامة الإحصائية من بين أعضائه عضو من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وهو ما جاء به القانون رقم 046.26 المتعلق بالنظام الإحصائي الوطني.

في هذا الصدد، وفي سياق ظرفية تتسم بالإصلاحات لتأهيل المؤسسات والرفع من جودتها، وتفعيلا للخطاب الملكي السامي بتاريخ 8 أكتوبر 2021، الذي دعا فيه لإجراء: “إصلاح عميق للمندوبية السامية للتخطيط، لجعلها آلية للمساعدة على التنسيق الاستراتيجي لسياسات التنمية، ومواكبة تنفيذ النموذج التنموي، وذلك باعتماد معايير مضبوطة، ووسائل حديثة للتتبع والتقويم”. وعلاقة بذلك، عين جلالته السيد شكيب بنموسى “مهندس النموذج التنموي الجديد” ثاني مندوب سامي للتخطيط والذي سهر على تفعيل الإصلاح الملكي.

في هذا الصدد، صادق مجلس الحكومة في 2 يوليوز 2026 على مشروع القانون رقم 47.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، ومشروع القانون رقم  46.26 يهم النظام الإحصائي الوطني، هذا القانون الذي قطع المسار التشريعي في سرعة البرق، حيث صادق عليه مجلس النواب في القراءة الأولى بالإجماع يوم 6 يوليوز 2026، ومجلس المستشارين كذلك بالإجماع في 13 يوليوز 2026. وهو ما يستحق قراءة قانونية معمقة.

وتتجلى أهمية هذا المشروع في كونه لا يقتصر على تحديث تقنيات إنتاج الإحصاء، بل يؤسس لتحول مؤسساتي عميق في تدبير المعلومة الإحصائية، من خلال تكريس مبادئ الاستقلالية المهنية والحياد والشفافية والجودة وسرية المعطيات، وجعلها مبادئ قانونية ملزمة لجميع مكونات النظام الإحصائي الوطني.

في المغرب، ظل الإطار القانوني المنظم للإحصاء الرسمي مؤسسا على نصوص تشريعية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وعلى رأسها المرسوم الملكي بمثابة قانون رقم 370.67 لسنة 1968، وهو إطار لم يعد قادرا على مواكبة التطورات الدستورية والمؤسساتية التي عرفتها المملكة، خاصة بعد دستور 2011، ولا التحولات التي أفرزها النموذج التنموي الجديد والتطورات المتسارعة في مجال البيانات والإحصاء الرسمي. لذلك جاء مشروع القانون رقم 046.26 المتعلق بالنظام الإحصائي الوطني بهدف إرساء إطار قانوني حديث يؤسس لنظام إحصائي وطني متكامل، ويحدد المبادئ المؤطرة لإنتاج الإحصاءات الرسمية، وينظم مختلف الفاعلين المتدخلين في هذا المجال، ويحدث مجلسا وطنيا للمعلومة الإحصائية يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي.

في هذا الإطار، نتساءل إلى أي حد نجح القانون رقم 046.26 في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية قادرة على ضمان استقلالية الإحصاء الرسمي وتعزيز حكامة إنتاج المعلومة الإحصائية؟

الفرع الأول: تحليل أسس ومقتضيات مشروع القانون رقم 046.26

لا يمكن فهم القانون رقم 046.26 بمعزل عن التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب بعد دستور 2011. فالمشرع لم يكن بصدد مراجعة تقنية لقواعد إنتاج الإحصاء، وإنما سعى إلى إرساء نموذج جديد للحكامة الإحصائية يستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة، ويضمن إنتاج معلومة إحصائية مستقلة وموثوقة، باعتبارها ركيزة أساسية لتخطيط السياسات العمومية وتقييمها.

ويلاحظ أن المشروع انتقل من منطق تنظيم نشاط إداري محدود إلى منطق بناء نظام إحصائي وطني يضم مختلف المؤسسات المنتجة للإحصاءات الرسمية، ويخضعها لمبادئ موحدة ولمؤسسة مستقلة تتولى التنسيق والتقنين وضمان الجودة.

أولا: المرتكزات الدستورية والفلسفة التشريعية للقانون

  • المرتكزات الدستورية

يشكل دستور المملكة لسنة 2011 المرجعية الأساسية التي استند إليها المشروع، حتى وإن لم يحل صراحة على جميع الفصول ذات الصلة، إذ تتجلى هذه المرجعية في عدة مبادئ دستورية.

أولاً، ينسجم هذا القانون مع الباب الثاني عشر من الدستور المتعلق بالحكامة الجيدة، ولا سيما الفصول 154 و155 و156، التي تلزم المرافق العمومية باحترام مبادئ الجودة والشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فهذه المبادئ لا يمكن تجسيدها دون وجود منظومة إحصائية مستقلة قادرة على قياس الأداء العمومي وتوفير بيانات موضوعية لاتخاذ القرار.

ثانياً، يرتبط التشريع الحالي بالفصل 27 من الدستور، الذي يكرس الحق في الحصول على المعلومات، إذ إن ممارسة هذا الحق تظل رهينة بتوفر معطيات وإحصاءات رسمية تتميز بالدقة والحياد والانتظام. ومن تم فإن تطوير النظام الإحصائي الوطني يعد ضمانة غير مباشرة لتفعيل هذا الحق الدستوري.

ثالثاً، يتقاطع المشروع مع مبدأ التدبير المبني على النتائج؛ إذ إن تقييم السياسات العمومية أصبح يعتمد بصورة متزايدة على المؤشرات الإحصائية، وهو ما يمنح للمعلومة الإحصائية قيمة دستورية تتجاوز بعدها التقني ويساهم في ممارسة البرلمان لمهمة تقييم السياسات العمومية المنصوص عليها دستوريا.

ولذلك نص القانون على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تؤطر إنتاج الإحصاءات الرسمية، وفي مقدمتها: الاستقلالية المهنية، الحياد، الموضوعية، الشفافية، الدقة، الموثوقية، جودة المعطيات، وسرية المعلومات الفردية، وهي مبادئ تجعل من الإحصاء الرسمي نشاطاً محمياً من أي تدخل غير علمي أو سياسي.

  • الفلسفة التشريعية للقانون

يكشف هذا القانون عن تحول واضح في فلسفة المشرع، يمكن إبرازه في خمسة اختيارات كبرى:

أولاً: الانتقال من إدارة الإحصاء إلى النظام الإحصائي الوطني. فبدلاً من حصر المسؤولية في جهاز إداري واحد، أصبح المشرع يتحدث عن نظام متكامل يضم مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية المنتجة للإحصاءات الرسمية، مع إخضاعها لقواعد موحدة.

ثانياً: الانتقال من الرقابة الإدارية إلى الحكامة الإحصائية. ويتجلى ذلك في إحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية، باعتباره مؤسسة مستقلة تضطلع بوضع المعايير الإحصائية، وضمان الجودة، والتنسيق بين مختلف الفاعلين، وإبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية ذات الصلة بالإحصاء.

ثالثاً: الحق في المعلومة، يقر القانون نشر الإحصاءات الرسمية وإتاحتها لجميع المستعملين وفق مبدأ المساواة، مع إمكانية إتاحة بعض البيانات المجهولة الهوية لأغراض البحث العلمي.

رابعاً: تكريس الجودة كالتزام قانوني. لم تعد الجودة مجرد هدف إداري، بل أصبحت التزاماً قانونياً، حيث ألزم المشروع الهيئات الإحصائية باحترام معايير الجودة والمناهج العلمية والتصنيفات الموحدة والمعايير الدولية.

خامساً: الانفتاح على المعايير الدولية، حيث ألزم المشرع الهيئات الإحصائية بملاءمة مناهجها وتصنيفاتها مع الممارسات الفضلى والمعايير الدولية، وهو ما يعزز قابلية مقارنة الإحصاءات المغربية بالإحصاءات الدولية ويرفع من مصداقيتها.

يتضح من خلال هذه المقتضيات، أن المشرع لم يهدف فقط إلى تحديث الإطار القانوني للإحصاء، وإنما سعى إلى بناء منظومة مؤسساتية تجعل من المعلومة الإحصائية مرفقاً عاماً استراتيجياً يخدم التنمية، ويعزز الثقة في القرار العمومي، ويكرس مبادئ الحكامة المنصوص عليها دستورياً.

ثانيا: تحليل مقتضيات القانون رقم 046.26

  • إعادة بناء مفهوم النظام الإحصائي الوطني

يعد من أهم مستجدات القانون رقم 046.26 تخلي المشرع عن المقاربة التقليدية التي كانت تختزل النشاط الإحصائي في جهاز إداري واحد، واعتماده مفهوم “النظام الإحصائي الوطني” باعتباره منظومة مؤسساتية متكاملة تضم الهيئة العمومية للإحصاء ومختلف الإدارات والمؤسسات والهيئات العمومية التي تنتج الإحصاءات الرسمية.

ويكشف هذا الاختيار عن تحول نوعي في السياسة التشريعية المغربية، إذ لم يعد إنتاج المعلومة الإحصائية اختصاصًا حصريًا للمندوبية السامية للتخطيط، وإنما أصبح مسؤولية جماعية لمختلف المؤسسات العمومية، مع إخضاعها لقواعد موحدة في مجال المناهج والتصنيفات ومعايير الجودة.

ومن الناحية القانونية، يحقق هذا التنظيم عدة أهداف:

  • توحيد المرجعية الإحصائية للدولة.
  • تجنب تضارب الأرقام الصادرة عن الإدارات المختلفة.
  • ضمان قابلية المقارنة بين الإحصاءات القطاعية.
  • تحسين جودة القرار العمومي.

كما أن المشرع لم يكتف بتحديد مكونات النظام، وإنما أحال تحديد القائمة النهائية للهيئات الإحصائية إلى مرسوم يتخذ باقتراح من المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية، وهو ما يمنح النظام مرونة تسمح بتطويره وفق تطور الإدارة العمومية.

  • تقنين المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية

من أبرز المستجدات أيضًا أن المشروع لم يكتف بتنظيم المؤسسات، بل قام بتنظيم المبادئ المهنية للإحصاء داخل القانون، حيث ألزم جميع الهيئات الإحصائية باحترامها وهي:

  • الاستقلالية المهنية؛ الحياد؛ الموضوعية؛ الشفافية؛ الملاءمة؛ الدقة؛ الموثوقية؛ جودة المعطيات؛ سرية المعلومات الفردية.

وتكتسي هذه المبادئ أهمية خاصة لأنها مستوحاة من المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية التي اعتمدتها الأمم المتحدة، مما يعكس إرادة المشرع في ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية.

ويلاحظ أن المشرع أعطى لهذه المبادئ قيمة قانونية ملزمة، بحيث أصبحت تشكل معيارًا يمكن الاحتجاج به عند تقييم مدى مشروعية الأعمال الإحصائية.

ورغم أهمية هذا التوجه، يلاحظ أن المشرع لم ينص صراحة على آليات قانونية فعالة لحماية الاستقلالية المهنية من أي ضغوط محتملة قد تمارسها السلطات أو الجهات المستفيدة من الإحصاءات، كما أن النص لم يحدد جزاءات خاصة في حالة الإخلال بمبادئ الحياد أو الموضوعية أو الاستقلالية، وهو ما قد يحد من فعاليتها العملية.

وبالتالي، فإن تكريس المبادئ القانونية يظل خطوة إيجابية، لكنه يحتاج إلى آليات مؤسساتية واضحة للرقابة والتتبع، سواء من خلال المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية أو من خلال آليات للمساءلة أمام البرلمان.

يتضح أن المشرع انتقل من تنظيم نشاط إحصائي محدود إلى بناء نظام إحصائي وطني قائم على وحدة المعايير، واستقلالية الإنتاج، وجودة المعلومة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين. ويعد هذا التحول من أبرز الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها مجال الإحصاء بالمغرب منذ صدور المرسوم الملكي رقم 370.67، غير أن نجاحه سيظل رهينًا بفعالية آليات التنفيذ وضمان الاستقلال الفعلي للهيئات الإحصائية.

الفرع الثاني: المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية بين الاستقلال المؤسساتي ومتطلبات الحكامة

يعد إحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية أهم مستجد جاء به القانون رقم 046.26، إذ انتقل المشرع من لجنة تنسيق الدراسات الاحصائية إلى إحداث مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، تتولى تقنين وتنسيق وتتبع النظام الإحصائي الوطني.

أولا: اختصاصات المجلس الوطني وطبيعته القانونية

بداية نشير أنه في سنة 1968، تم بموجب مرسوم ملكي رقم  370-67 إحداث لجنة تنسيق الدراسات الإحصائية، نص على عرض وتقديم برنامج للأبحاث على الوزير الأول لأجل المصادقة سنويا، وبنشر كل مقرر في الجريدة الرسمية، وألزم المصالح العمومية بضرورة الحصول على تأشيرة المصلحة المركزية للإحصائيات، وصدر بتاريخ 3 شتنبر 1968مرسوم ملكي آخر يحدد بموجبه تأليف وتنظيم هاته اللجنة، حيث تم تفويض رئاستها للوزير الأول وتضم ضمن عضويتها ممثلين عن عدد من الوزراء،  بالإضافة لرئيس مصلحة التخطيط والدراسات الاقتصادية، ومدير المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، المدير العام للأمن الوطني، وممثلين للهيئات الاقتصادية، ويتولى كتابة اللجنة رئيس المصلحة المركزية للإحصائيات، إلا أن عمل هاته اللجنة ظل مجمدا.

ارتقى المشرع بهاته اللجنة إلى مجلس وطني أضفى عليه صفة الشخص الاعتباري الخاضع للقانون العام، مع تمتعه بالاستقلال الإداري والمالي، وهو اختيار تشريعي يهدف إلى مأسسة النظام الإحصائي المغربي واستقلال قراراته عن التدخلات الإدارية، وتمكينه من ممارسة اختصاصاته وفق معايير مهنية.

منح المشرع المجلس اختصاصات واسعة تجعله الهيئة المرجعية في مجال الإحصاء الرسمي، ومن أهمها:

وضع المفاهيم والمعايير والمناهج الإحصائية.

إعداد التصنيفات الإحصائية الوطنية.

تحديد معايير الجودة على انتاج الإحصاءات الرسمية ونشرها ويسهر على تتبع تفعيلها.

إعداد البرنامج الإحصائي الوطني.

منح التأشيرات للبحوث الإحصائية التي تقوم بها الهيئات الاحصائية.

منح الاعتماد للمؤسسات الخاصة العاملة في الإحصاء لفائدة القطاع العام.

تقييم الإنتاجات الإحصائية الأساسية.

إبداء الرأي في مشاريع القوانين والمراسيم ذات الصلة بالإحصاء.

اقتراح إصلاحات تشريعية وتنظيمية.

وتبرز هذه الاختصاصات أن المجلس لا يضطلع بمهام استشارية فقط، بل يمارس أيضًا وظائف تنظيمية وتنسيقية ورقابية، مما يجعله أحد الفاعلين الرئيسيين في حكامة البيانات العمومية.

ربط المشرع استقلالية المجلس عن مؤسسات الدولة، من خلال تعيين رئيسه وبعض أعضاءه بظهير شريف، ومن خلال مناقشة تقريره السنوي أمام البرلمان، حيث أن المجلس مطالب بإعداد تقرير سنوي تحال نسخة منه إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان. ويعكس هذا التوازن محاولة المشرع الجمع بين الاستقلال من جهة، والخضوع للمساءلة من جهة أخرى.

يلاحظ بالتالي، تركيز الاختصاصات، حيث يجمع المجلس بين وضع المعايير، ومنح التأشيرات، والتقييم، وإبداء الرأي، وهو ما قد يؤدي إلى تركيز كبير للسلطات داخل مؤسسة واحدة، ويستدعي التفكير في تعزيز آليات الرقابة المتبادلة، حيث لم يحدد المشرع آليات واضحة للطعن في قرارات المجلس، خاصة تلك المتعلقة برفض منح التأشيرة الإحصائية أو الاعتماد، وهو ما قد يثير تساؤلات حول الضمانات القانونية للمخاطبين بأحكامه.

ثانيا: تركيبة المجلس الوطني

يتكون المجلس أساسًا من رئيس يعين بظهير شريف لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة؛

خمسة خبراء يعينون بظهير شريف؛

خبيران في مجال الإحصاء يعينان وفق الكيفيات المحددة بنص تنظيمي؛

مدير المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي؛

عضو من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛

رئيس قطب إنتاج ونشر المعلومة الإحصائية وإعداد الحسابات التابع للمندوبية السامية للتخطيط كعضو استشاري؛

يلاحظ أن القانون ميز بين أعضاء يمارسون مهامهم كامل الوقت وهم الخبراء الذين يتم تعيينهم بظهير شريف، بينما لم يحدد الجهة التي تقترح تعيينهم. ومما يلاحظ على تركيبة هذا المجلس، أنها لا تنص على تمثيل مباشر للجامعات أو مراكز البحث أو المجتمع المدني أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية، رغم أن هذه الجهات تعد من أهم مستعملي البيانات الإحصائية وشركاء إنتاج المعرفة.

يتضح إذن، أن المشروع يؤسس لنقلة نوعية في تنظيم الإحصاء الرسمي بالمغرب، ويمنح المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية مكانة محورية في قيادة المنظومة الإحصائية. غير أن نجاح هذا النموذج سيظل رهينًا بمدى توفير ضمانات عملية لاستقلالية المجلس، وتوسيع قاعدة تمثيليته، وتعزيز آليات الشفافية والمساءلة، حتى يحقق التوازن بين الاستقلال المؤسساتي والرقابة الديمقراطية.

ومن زاوية القانون العام، يمكن اعتبار المجلس نموذجًا جديدًا للمؤسسات المستقلة ذات الوظيفة التنسيقية والضبطية، وهو ما يفتح المجال لدراسات مقارنة مع هيئات الحكامة الأخرى التي أقرها دستور 2011. إلا أنه ما يمكن ملاحظته أخيرا أن طبيعة هذا المجلس تثير إشكالية دستورية مهمة، وهي مدى اعتبار المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية مجرد مؤسسة خاضعة للقانون العام تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي وليس هيئةً من هيئات الحكامة المنصوص عليها بموجب الفصل 159 من الدستور والذي أحدثت بموجبه المندوبية السامية للتخطيط وفق القانون رقم 047.26 والذي سنعود لدراسته في مقال لاحق بإذن الله.

* دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، وإطار بالمندوبية السامية للتخطيط