في السياسة، قد يكون من السهل ملء القاعات، والتقاط الصور، وإطلاق الشعارات. لكن الأصعب بكثير هو ملء خزانات الماء، وخلق فرص الشغل، وحماية الواحات، وإعادة الثقة إلى المواطن. وبين من يتنافس على الحشود، ومن يتنافس على التنمية، تقف زاكورة شاهدة على مفارقة تتكرر كلما اقتربت المواعيد الانتخابية. فالإقليم الذي يبحث عن حلول حقيقية، يجد نفسه مرة أخرى في قلب سباق سياسي يُقاس فيه النجاح بعدد الحاضرين، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقًا: من يربح الحشود… ومن يربح زاكورة؟
مع اقتراب كل موسم انتخابي، تعود زاكورة إلى واجهة المشهد السياسي. تتكاثر الزيارات، وتتوالى اللقاءات التواصلية، وتزدحم القاعات بالحاضرين، حتى يبدو وكأن الإقليم أصبح فجأة في صدارة أولويات الجميع. ومن حيث المبدأ، لا اعتراض على حق الأحزاب في التواصل مع المواطنين، فذلك جزء من الممارسة الديمقراطية. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التواصل إلى حملة انتخابية مبكرة، ويصبح التنافس منصبًا على استعراض القوة التنظيمية والعددية، بدل التنافس في تقديم حلول واقعية لمشكلات الاقليم ومداشيره.
وللأسف، أصبحت بعض هذه اللقاءات تُقاس بعدد الحاضرين أكثر مما تُقاس بجودة النقاش أو بجدية المشاريع. وكأن زاكورة تحولت إلى ساحة يتنافس فيها الجميع على من يجمع أكبر عدد من الأنصار، بينما تظل قضايا الماء، والصحة، والتعليم، والبطالة، والطرق، والهجرة، مؤجلة إلى موعد آخر. والحال أن الإقليم ليس في حاجة إلى سباق على الحشود، بل إلى سباق على الأفكار والمبادرات والبرامج القابلة للتنفيذ.
ومن الظواهر التي تستحق التوقف عندها أيضًا، سعي بعض المتدخلين أو ممثلي بعض الأحزاب إلى تقديم مشاريع كبرى للدولة، أو أوراش ملكية، وكأنها إنجازات حزبية خالصة أو ثمرة جهود شخصية. والإنصاف يقتضي التمييز بين ما هو مشروع دولة، تنفذه المؤسسات العمومية في إطار رؤية وطنية شاملة، وبين الدور الذي قد يقوم به منتخب أو مسؤول في الترافع أو المواكبة أو تتبع التنفيذ. فذلك دور محمود عندما يُمارس في إطار المسؤولية، لكنه لا يمنح حق احتكار الإنجاز أو نسبه إلى حزب أو شخص.
فالمشاريع الكبرى ليست هدية من حزب إلى المواطنين، ولا منحة انتخابية توزع عند اقتراب الاستحقاقات، وإنما هي حقوق للمواطنين، تمول من المال العام، وتندرج ضمن سياسات الدولة واختياراتها الكبرى. لذلك، فإن تحويل هذه المشاريع إلى رصيد انتخابي خاص، أو تقديمها وكأنها فضل شخصي، لا يخدم ثقافة الديمقراطية، بقدر ما يكرس ثقافة التسويق السياسي على حساب الحقيقة. فالمواطن لا يسأل: من التقط الصورة بجانب المشروع؟ بل يسأل: لماذا لم تصل التنمية إلى كل القرى والدواوير؟
ولا تكتمل هذه الصورة دون الإشارة إلى دور فئة من الموالين للأحزاب، أو ما يسمى في التعبير الأمازيغي الدارج بـ “إمسلالغن” (ⵉⵎⵙⵍⴰⵍⴰⵖⵏ). وليس المقصود هنا كل المناضلين أو المؤيدين، فبينهم رجال ونساء يشتغلون بإخلاص وقناعة، وإنما أولئك الذين يجعلون التصفيق بديلاً عن النقاش، والولاء بديلاً عن النقد، فيدافعون عن كل شيء، حتى وإن كان الواقع يقول غير ذلك. فتتحول معاناة الساكنة إلى تفصيل ثانوي، ويصبح الدفاع عن الحزب أهم من الدفاع عن حق المواطن في الماء، أو الصحة، أو الشغل، أو الكرامة.
وتفرض الأسئلة نفسها: هل هؤلاء لا يعانون مثل باقي المواطنين؟ هل لا ينتظرون الماء كما ينتظره غيرهم؟ هل وجد أبناؤهم فرص الشغل التي يبحث عنها شباب الإقليم؟ هل يعيشون في زاكورة أخرى لا نعرفها؟ أم أنهم اختاروا أن يكونوا مجرد عدّائي سباق انتخابي لا ينتهي؟ أسئلة يفرضها الواقع، ويبقى الجواب عنها عند أصحابها… والله أعلم.
أما نحن، أبناء زاكورة، فلنا أيضًا ألف سؤال لكل من يقصد الإقليم في هذه الأيام. لكننا لن نطرحه بعلامات الاستفهام، لأن زاكورة لم تعد تنتظر من أحد أن يسأل عنها. لقد أصبح المكان نفسه هو من يطرح الأسئلة.
منذ أن تغادروا حدود الحوز وتعبروا مرتفعات تيشكا، تبدأ الحكاية. الجبال لا تستقبلكم فقط بمناظرها المهيبة، بل تستقبلكم بأسئلة صامتة عن العدالة المجالية، وعن تنمية لم تصل بعد إلى كل الجهات. وإن جئتم عبر الجو، فإن الوصول السريع لن يعفيكم من رؤية واقع الجهة، لأن التنمية لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بما ينتظر المواطن بعد الوصول.
ثم تأتي ورزازات، بوابة الجنوب، مدينة السينما واليوم غاب عنها دلك لظروف خاصة اخرى ، ومنها تعبرون جبال آيت ساون، فتبدأ أولى الواحات في الظهور، ويبدأ معها حديث الأرض. وعلى امتداد الطريق الوطنية رقم 9، كل منعطف يحكي، وكل دوار يروي، وكل بيت طيني يحمل ذاكرة أجيال قاومت الجفاف والتهميش. لا تحتاجون إلى دليل يشرح لكم، فالوجوه وحدها كافية لتخبركم أن هنا أناسًا يريدون أن يعيشوا بكرامة، لا أن يكونوا مجرد خلفية لصور موسمية.
ثم تطل واحة ترناتة، في مشهد يأسر القلب قبل العين، لكنها ليست مجرد لوحة طبيعية، بل ذاكرة جماعية تختزن قصص الماء، والنخيل، والإنسان، والصمود. ومن هناك تدخلون زاكورة عبر الحاجز الأمني، وتحية صادقة لرجال الأمن الذين يؤدون واجبهم في خدمة المواطنين. وبعدها تبدأ المدينة في الكلام. شوارعها تتحدث، وأحياؤها تتحدث، وواحاتها تتحدث، وحتى صهاريج الماء التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية تتحدث.
وهل أخبركم أحد، وأنتم في طريقكم إلى قاعات اللقاءات، أن زاكورة ليست المدينة وحدها؟ هل وصل إليكم صوت القرى المنتشرة بين الجبال والواحات؟ هل سمعتم عن دواوير ما تزال تنتظر طريقًا معبدة، أو ماءً صالحًا للشرب، أو كهرباء تصل إلى آخر بيت؟ فالإقليم لا يبدأ عند مدخل المدينة ولا ينتهي عند قاعة اللقاء، بل يمتد إلى عشرات الجماعات والدواوير التي ما زالت تنتظر نصيبها العادل من التنمية.
وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بشيء من الحرج، لكنه حرج لا بد أن يتحول إلى شهادة. فما زالت قريتي، إلى حدود اليوم، يعيش نحو خمسين في المائة من سكانها دون ربط بالكهرباء. نعم، في زمن نتحدث فيه عن الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والتنمية المستدامة، لا يزال أطفال يراجعون دروسهم على ضوء مصابيح بسيطة، ولا تزال أسر تنتظر مشروعًا كان يفترض أن يصبح منذ سنوات من أبسط مقومات العيش الكريم.
لا أكتب هذا بحثًا عن الشفقة، ولا رغبة في تسجيل موقف، بل حتى يعرف كل من يزور زاكورة لماذا نكتب، ولماذا ننتقد، ولماذا نرفض أن تتحول القاعات الممتلئة إلى معيار لنجاح العمل السياسي. نحن لا نكتب ضد أحد، بل نكتب من أجل إقليم يستحق أكثر مما يقال عنه في الخطب، وأكثر مما يظهر في الصور، وأكثر مما يُرفع فيه من شعارات.
زاكورة قبل اي وقت ليست في حاجة إلى مزيد من الحشود، بل إلى مزيد من المشاريع. ليست في حاجة إلى صور تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، بل إلى مستشفيات تحفظ كرامة المرضى، ومدارس تمنح الأمل، وطرق تفك العزلة عن القرى، وماء صالح للشرب، وكهرباء تصل إلى كل بيت، واستثمارات تخلق فرص الشغل، ورؤية تنموية تجعل أبناء الإقليم يفكرون في البقاء بدل الرحيل.
فالسياسة، في نواتها، ليست فن جمع الجماهير، وإنما فن خدمة الإنسان. والحزب الذي ينجح في ملء قاعة لساعتين، ليس بالضرورة هو الحزب الذي يستطيع أن يملأ سنوات الناس بالأمل.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل من يقصد زاكورة في هذه الأيام: هل جئتم لتعدّوا الحاضرين في القاعات، أم جئتم لتحصوا حاجات الناس؟ وهل جئتم لتسويق إنجازات الدولة على أنها إنجازاتكم، أم جئتم لتقديم إجابات عن الملفات التي ما تزال تنتظر الحل؟
فالفرق بين السؤالين… هو الفرق بين من يربح الحشود، ومن يربح زاكورة.