تستعد الممثلة المغربية نورا الصقلي للعودة إلى الشاشة من خلال مسلسل اجتماعي جديد يحمل عنوان “باب الرزق”، وهو عمل درامي يختار الاقتراب من واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في المغرب، عبر تسليط الضوء على واقع تشغيل القاصرات في المنازل وما يرتبط به من انتهاكات لحقوق الطفولة والاستغلال الاجتماعي.
ويحمل المسلسل، الذي تتولى إخراجه سامية أقريو لفائدة “القناة الأولى”، فيما يشرف على إنتاجه نبيل عيوش، رؤية درامية تنطلق من قصص مستوحاة من واقع تعيشه فئات واسعة من الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن في سن مبكرة داخل فضاءات العمل المنزلي، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية تدفع بأسرهن إلى اتخاذ خيارات قاسية على حساب طفولتهن ومستقبلهن.
ولا يكتفي العمل بإبراز المعاناة اليومية للخادمات والقاصرات داخل المنازل، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية الاجتماعية التي تنتج هذه الظاهرة، من خلال الغوص في الخلفيات الأسرية والاقتصادية والنفسية للشخصيات.
ويقدم المسلسل قراءة درامية لكيفية تحول الفقر والهشاشة إلى عوامل تدفع بعض العائلات إلى الزج ببناتها في سوق العمل مبكرا، بما يترتب عن ذلك من انقطاع عن الدراسة، وحرمان من أبسط الحقوق، وإعادة إنتاج دوائر التهميش عبر الأجيال.
وتسير أحداث “باب الرزق” في مسار إنساني يرصد تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات تكافح من أجل البقاء، حيث تتقاطع حكايات نساء وفتيات يواجهن الاستغلال والعنف الرمزي والاجتماعي، في مقابل سعيهن المستمر إلى تأمين لقمة العيش والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة. ويطرح العمل، من خلال هذه المسارات، أسئلة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وحماية الطفولة وحدود المسؤولية الجماعية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
ويعتمد المسلسل معالجة درامية تقوم على تقديم شخصيات متعددة الخلفيات والتجارب، بما يمنح القضية أبعادا إنسانية تتجاوز النظرة المباشرة إلى ظاهرة تشغيل القاصرات، إذ يسلط الضوء كذلك على الأثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه سنوات العمل المبكر على الفتيات، وعلى انعكاس ذلك على مستقبلهن الشخصي والمهني.
ويشارك في بطولة العمل عدد من الأسماء البارزة في الساحة الفنية المغربية، من بينهم نورا الصقلي، وعزيز الحطاب، وأمين الناجي، ونرجس الحلاق، ومهدي فولان، وبثينة اليعقوبي، في توليفة تمثيلية تراهن على تقديم معالجة واقعية لقضية لا تزال تثير نقاشا واسعا داخل المجتمع المغربي، بالنظر إلى أبعادها الحقوقية والاجتماعية.
وفي وقت تتجه فيه الدراما المغربية تدريجيا إلى ملامسة قضايا ذات بعد اجتماعي، تتزايد الأصوات المطالبة بكسر دائرة المواضيع التقليدية التي هيمنت على الإنتاج التلفزيوني لسنوات، والاقتراب من ملفات ظلت حبيسة الصمت، رغم ارتباطها المباشر بواقع فئات واسعة من المغاربة.
ويعتبر هذا التحول، بالنسبة لعدد من المتابعين، اختبارا حقيقيا لقدرة الدراما الوطنية على أداء دورها في إثارة النقاش حول القضايا المجتمعية الأكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، قالت الممثلة والسيناريست نورا الصقلي، إن المبدعين في المغرب يشتغلون في فضاء محدود نسبيا، موضحة أن المخيلة الفنية تكون في كثير من الأحيان واسعة، غير أن المجال المتاح للإبداع يظل ضيقا بسبب التخوفات المرتبطة بما يمكن أن يثير الجدل أو يفهم على أنه إساءة لجهة ما.
وأوضحت الصقلي، أن الكاتب أو الفنان يجد نفسه مضطرا أحيانا للاشتغال وسط مجموعة من الخطوط الحمراء، وهو ما يجعل عملية الكتابة أكثر تعقيدا، خصوصا حين يطلب في الوقت نفسه الحفاظ على مستوى جيد من الجودة الفنية.
وترى الصقلي، أن هذا الوضع يجعل صناع الدراما في نوع من الحصار غير المعلن، حيث يصبح التفكير في ردود الفعل المحتملة جزءا من عملية الإبداع نفسها، فالمبدع -بحسب تعبيرها- قد يتجنب أحيانا الاقتراب من بعض المواضيع أو التفاصيل خوفا من إثارة غضب جهة معينة، وهو ما يقلص هامش الحرية الذي يحتاجه العمل الفني بطبيعته.
واستحضرت الممثلة المغربية مثالا من تجربتها الفنية، حين أثار الجزء الثاني من مسلسل “بنات لالة منانة” ردود فعل غاضبة من عدول المغرب الذين نظموا وقفة احتجاجية احتجاجا على طريقة تقديم إحدى الشخصيات.
وقالت الصقلي، في تصريح سابق لـ”العمق”، إن هذه المسألة ترتبط أحيانا بخلط يقع بين الشخصية الدرامية والمهنة التي تنتمي إليها، إذ قد ينظر إلى سلوكيات شخصية معينة باعتبارها تعبيرا عن صورة المهنة بأكملها، بينما العمل الفني في الأصل يحكي قصة أشخاص بصفاتهم الفردية، وليس بالضرورة صورة عامة لقطاع مهني بعينه.
وأضافت، أن الدراما بطبيعتها تعكس تنوع الشخصيات الإنسانية، بما فيها الشخصيات التي تحمل سلوكيات سلبية أو معقدة، وهو أمر ضروري لخلق حبكة درامية مقنعة، لذلك ترى أن الإبداع يحتاج إلى قدر من الحرية حتى يتمكن من تقديم قصص واقعية ومتماسكة، لأن تقييد الخيال بشكل مفرط قد يؤدي إلى إنتاج أعمال مسطحة تخلو من العمق أو الجرأة الفنية.
وفي المقابل، تؤكد الصقلي أن النقاش حول الأعمال الفنية يظل أمرا صحيا ومطلوبا، شرط أن يتم في إطار من الاحترام والحوار، مشددة على أن المجتمع في حاجة إلى ترسيخ ثقافة النقاش الهادئ، حيث يمكن التعبير عن عدم الإعجاب بعمل ما أو انتقاده بطريقة بناءة، بدل الانزلاق إلى العنف اللفظي أو الهجوم الشخصي.